تكنولوجيا السودان تدخل في 2026 مرحلة مختلفة من التحول الرقمي، مدفوعة بتوسع الخدمات المصرفية الإلكترونية، ومحاولات إعادة بناء البنية التقنية، وتشديد متطلبات الأمن السيبراني، إلى جانب مشروعات تستهدف توسيع الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية في عدد من الولايات. وبينما لا تزال الطريق طويلة أمام بناء اقتصاد رقمي متكامل، تكشف الأرقام الرسمية الأخيرة أن الاعتماد على الخدمات الإلكترونية لم يعد هامشيًا في حياة السودانيين، خصوصًا في القطاع المصرفي.
أبرز مؤشر على هذا التحول جاء من بنك السودان المركزي، الذي أعلن أن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS نفذت أكثر من 100 مليون عملية تحويل إلكتروني بين الحسابات A2A خلال الفترة من يناير وحتى مايو 2026. الرقم يمثل حجمًا لافتًا من التعاملات الرقمية خلال خمسة أشهر فقط، ويشير إلى توسع الاعتماد على التحويلات الإلكترونية في وقت أصبحت فيه التطبيقات المصرفية بالنسبة لقطاعات واسعة من السودانيين وسيلة أساسية لإدارة الأموال وإجراء المعاملات اليومية.
100 مليون معاملة.. رقم يكشف حجم التحول
بحسب بنك السودان المركزي، نجحت EBS خلال النصف الأول من 2026 في استعادة المحول القومي وإتمام عمليات التسوية الشاملة للبنوك، إلى جانب تسجيل أكثر من 100 مليون معاملة تحويل بين الحسابات خلال خمسة أشهر. كما قال البنك إن الشركة تربط حاليًا 26 بنكًا داخل السودان عبر بنيتها التقنية.
ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند عدد العمليات نفسها، بل في ما تعكسه من انتقال متسارع نحو استخدام الأنظمة الرقمية في قطاع ظل لسنوات يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي والفروع التقليدية.
وفي يناير 2026 أعلن بنك السودان استحواذه الاستراتيجي على شركة EBS، قبل أن يعلن لاحقًا اعتمادها كمكتب خدمة لشبكة SWIFT العالمية، وقال البنك إنها أصبحت أول مكتب خدمة لسويفت في السودان وواحدة من خمس شركات فقط، وفق إعلانه، على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تحصل على هذا الاعتماد. ويرتبط الاعتماد بمعايير تشغيلية وأمنية تخص البنية المالية والربط بين المؤسسات المصرفية.
التحول لا يقتصر على تطبيقات البنوك
المشهد الرقمي السوداني أوسع من مجرد تطبيق بنكي على الهاتف. ففي مارس 2026 أصدر بنك السودان المركزي لائحة لتنظيم الوكالة المصرفية، وهي نموذج يسمح للبنوك بتقديم خدمات محددة عبر وكلاء معتمدين خارج الفروع التقليدية.
وحدد البنك من أهداف هذا النظام توسيع الخدمات إلى المناطق غير المخدومة، وتقليل تكلفة إنشاء الفروع، وتسهيل المعاملات اليومية، إلى جانب دعم التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد. وتشمل الخدمات الممكن تقديمها عبر الوكلاء الإيداع والسحب والتحويلات المحلية وسداد الفواتير وفق ضوابط وترخيص مسبق.
هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة في بلد واسع جغرافيًا، حيث يمثل الوصول إلى الخدمات المالية في المناطق البعيدة تحديًا قد لا تعالجه الفروع المصرفية التقليدية وحدها.
فتح الحساب من الهاتف
وكان بنك السودان قد وضع أساسًا آخر لهذا المسار في ديسمبر 2024 عندما وجه المصارف بتوفير خدمة فتح الحسابات المصرفية عن بعد عبر الإنترنت.
وتضمنت الضوابط التحقق من الهوية عبر الربط مع السجل المدني، واستخدام تقنية التعرف على الوجه كإجراء أساسي للتحقق من هوية طالب الخدمة، مع إمكانية استخدام تقنيات حيوية إضافية، إلى جانب تشفير البيانات ووضع خطط للاستجابة لحوادث الاختراق والاحتيال.
عمليًا، يعني ذلك أن البنية التنظيمية للخدمات المصرفية تتحرك نحو نموذج يستطيع فيه المستخدم إنجاز جزء متزايد من معاملاته دون زيارة الفرع، وهي خطوة أساسية لأي تحول رقمي حقيقي.
الأمن السيبراني يصبح جزءًا من المعادلة
لكن زيادة المعاملات الرقمية ترفع في المقابل أهمية حماية الأنظمة والبيانات.
وفي يناير 2026 أصدر بنك السودان المركزي إطار موجهات ومعايير الأمن السيبراني للمصارف والمؤسسات المالية، موضحًا أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية جعل المخاطر السيبرانية من أبرز التحديات التي تواجه القطاع المالي.
الإطار يستهدف حوكمة المخاطر السيبرانية، وحماية الأصول المعلوماتية والبنية التقنية، وتحسين القدرة على الوقاية من الهجمات والكشف عنها والاستجابة للحوادث، بما يدعم استمرارية الأعمال ويقلل الآثار التشغيلية والمالية المحتملة.
هذه النقطة بالذات ستكون حاسمة في المرحلة المقبلة؛ فنجاح الدفع الإلكتروني لا يقاس بعدد المستخدمين فقط، وإنما أيضًا بمدى ثقة الناس في حماية أموالهم وبياناتهم.
مشروع بـ76.3 مليون دولار لتوسيع الاتصال
وخارج القطاع المصرفي، هناك تحرك لاستعادة وتوسيع البنية الأساسية التي يحتاجها أي اقتصاد رقمي.
ففي يونيو 2025 أعلن البنك الدولي عن مشروع ASCENT-Sudan بقيمة 76.3 مليون دولار، يستهدف تحسين الوصول إلى الكهرباء والخدمات الرقمية في ولايات القضارف وكسلا ونهر النيل والشمالية.
ويستهدف المشروع توفير الكهرباء وتحسين الوصول إلى الإنترنت لنحو 150 ألف شخص، إلى جانب تركيب 500 نظام للطاقة المتجددة في مرافق عامة ومزارع وشبكات اتصالات ومشروعات صغيرة.
كما يتضمن المشروع دعم المهارات الرقمية والتدريب وتحسين وصول المشروعات الصغيرة إلى الكهرباء والخدمات الرقمية، مع الاعتماد على نماذج يقودها القطاع الخاص في تنفيذ بعض الخدمات.
الربط بين الطاقة والاتصالات هنا ليس تفصيلًا تقنيًا؛ فالإنترنت والخدمات الرقمية لا يمكن أن تستقر دون كهرباء موثوقة، خصوصًا في الولايات والمناطق البعيدة.
ماذا يعني ذلك للسودان؟
المؤشرات الحالية لا تعني أن السودان أكمل انتقاله إلى الاقتصاد الرقمي، لكنها تكشف عن اتجاه واضح: المعاملات المصرفية تتحرك بسرعة نحو الهاتف والمنصات الإلكترونية، والمؤسسات التنظيمية بدأت تتعامل مع قضايا الأمن السيبراني والوصول للخدمات الرقمية باعتبارها جزءًا من البنية الاقتصادية وليس مجرد خدمات إضافية.
وفي المقابل، ستظل هناك تحديات مرتبطة باستقرار الكهرباء والاتصالات، وتغطية الشبكات، والثقة الرقمية، ومهارات المستخدمين، وحماية البيانات من الاحتيال والهجمات. وجود مشروعات لتوسيع الطاقة والاتصال، إلى جانب تشديد القواعد السيبرانية، يعكس أن هذه الفجوات ما زالت جزءًا من التحدي القائم.
الفرصة الأهم تتمثل في تحويل الانتشار الكبير للخدمات المصرفية الرقمية إلى منظومة أوسع تشمل التجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والتعليم، والصحة، والمشروعات الصغيرة، بحيث لا يظل التحول الرقمي محصورًا في إرسال الأموال واستقبالها.
ما يحدث في 2026 يقدم بداية مهمة: أكثر من مئة مليون معاملة إلكترونية خلال خمسة أشهر، بنية مصرفية مرتبطة بعشرات البنوك، إطار جديد للأمن السيبراني، وتوسع منتظر في الاتصال والطاقة الرقمية. أما الاختبار الحقيقي فسيكون في قدرة هذه الخطوات على الوصول إلى المواطن في المدن والولايات والقرى وتحويل التقنية من خدمة يستخدمها البعض إلى بنية أساسية يعتمد عليها المجتمع والاقتصاد السوداني.