اقتصاد السودان يجد في الذهب واحدًا من أهم موارده القادرة على توفير النقد الأجنبي ودعم الصادرات، لكن الأرقام المعلنة عن عام 2025 تكشف مفارقة لافتة بين حجم الإنتاج المسجل والكميات التي مرت عبر قنوات التصدير الرسمية. فقد بلغ إنتاج البلاد نحو 70 طنًا من الذهب، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات وفق بيانات رسمية، بينما أظهرت بيانات بنك السودان المركزي أن الصادرات الرسمية كانت أقل بكثير من إجمالي الإنتاج، وهو ما أعاد ملف تنظيم سوق الذهب إلى صدارة النقاش الاقتصادي خلال 2026.
بحسب الشركة السودانية للموارد المعدنية، وصل إنتاج الذهب خلال 2025 إلى نحو 70 طنًا، محققًا نسبة إنجاز بلغت 113% من المستهدف السنوي، فيما بلغت الإيرادات المحققة من قطاع المعادن نحو 1.087 تريليون جنيه سوداني، بزيادة عن المستهدف المقرر للعام. وتضع هذه الأرقام الذهب في موقع متقدم داخل الاقتصاد السوداني، خصوصًا في ظل محدودية موارد النقد الأجنبي والضغوط التي تواجه القطاعات الإنتاجية الأخرى.
إنتاج مرتفع.. لكن ماذا عن الصادرات؟
تكمن المفارقة الأساسية في مقارنة الإنتاج بالصادرات الرسمية.
فبيانات بنك السودان المركزي التي نقلتها عدة مصادر اقتصادية أظهرت أن السودان صدّر رسميًا خلال 2025 نحو 14.7 طنًا من الذهب بقيمة تقارب 1.536 مليار دولار. كما بلغت قيمة إجمالي صادرات السودان خلال العام نحو 2.639 مليار دولار، ما يعني أن الذهب وحده شكل أكثر من نصف قيمة الصادرات الرسمية.
وهذا يجعل المعدن الأصفر سلعة شديدة الأهمية للميزان الخارجي؛ فكل زيادة في الكميات التي تمر عبر القنوات الرسمية تعني، من حيث المبدأ، قدرة أكبر على توفير العملات الأجنبية التي يحتاجها الاقتصاد لتمويل الاستيراد والاحتياجات الأساسية.
لكن الفارق بين نحو 70 طنًا من الإنتاج المعلن و14.7 طنًا من الصادرات الرسمية يثير سؤالًا اقتصاديًا مهمًا حول مسار بقية الكميات.
ولا يصح افتراض أن كامل هذا الفارق يمثل تهريبًا؛ فجزء من الإنتاج قد يدخل السوق المحلية أو المخزون أو مسارات أخرى، إلا أن التقارير الدولية تشير بالفعل إلى أن تهريب الذهب يمثل مشكلة كبيرة في السودان. وذكرت وكالة أسوشيتد برس، استنادًا إلى تقرير سابق لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة، أن أكثر من نصف الذهب المستخرج في السودان لا يمر عبر التجارة الرسمية.
لماذا أصبح الذهب مهمًا لهذه الدرجة؟
تعاظمت أهمية الذهب اقتصاديًا بعد انفصال جنوب السودان في 2011 وفقدان الخرطوم جزءًا كبيرًا من الإيرادات النفطية التي كانت تشكل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي.
ومنذ ذلك الوقت تحول التعدين، وعلى رأسه الذهب، إلى أحد أهم القطاعات التي تعتمد عليها البلاد للحصول على العملات الأجنبية.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التعدين والقطاع الزراعي يمكن أن يكونا من المحركات الرئيسية لتعافي الاقتصاد السوداني إذا تحسنت الظروف واستقرت الأنشطة الاقتصادية.
لكن الذهب يختلف عن كثير من السلع الأخرى؛ فقيمته مرتفعة مقارنة بحجمه ووزنه، ويمكن نقله وتداوله بسهولة نسبية، وهو ما يجعل إخضاع جميع عمليات إنتاجه وتسويقه وتصديره للقنوات الرسمية أكثر تعقيدًا.
التعدين التقليدي يتصدر الإنتاج
الجزء الأكبر من ذهب السودان لا يأتي من الشركات الكبيرة وحدها.
وبحسب بيانات قطاع التعدين المنشورة عن 2025، استحوذ التعدين التقليدي على النصيب الأكبر من الإنتاج، بنحو 58.38 طنًا، في حين جاءت بقية الكميات من شركات الامتياز وشركات معالجة مخلفات التعدين والتعدين الصغير.
وهذا الانتشار الواسع للتعدين الأهلي والتقليدي يخلق مصدر دخل لعدد كبير من الأسر والمجتمعات، لكنه في الوقت نفسه يزيد صعوبة مراقبة الإنتاج بالكامل، خصوصًا عندما تعمل المناجم والأسواق في مناطق واسعة وبعيدة عن المراكز الإدارية.
كما يطرح الملف تحديات أخرى تتعلق بالسلامة المهنية والبيئة وتنظيم الأسواق وضمان دخول عائدات المعدن إلى الدورة الاقتصادية الرسمية.
بنك السودان يشدد ضوابط الذهب
خلال 2026 واصل بنك السودان المركزي إصدار وتحديث منشورات تتعلق بشراء وتصدير الذهب وتنظيم عمليات الصادر.
وتشمل الضوابط المنشورة متطلبات تتعلق بمصدري الذهب والتعامل عبر الجهات الرقابية المختصة مثل الجمارك ووزارة المعادن والجهات المعنية بالمواصفات والفحص، إضافة إلى شروط اعتماد عقود الصادر.
ويظهر من منشورات إدارة السياسات أن صادرات الذهب ظلت ملفًا حاضرًا في الإجراءات التنظيمية للعام 2026، وهو ما يعكس أهمية المعدن في إدارة موارد النقد الأجنبي ومحاولات زيادة نسبة الصادرات التي تمر عبر النظام الرسمي.
نجاح هذه السياسات، مع ذلك، لا يتوقف على القواعد المكتوبة وحدها؛ إذ يعتمد على وجود أسعار شراء منافسة، وسهولة الإجراءات، وقدرة القنوات الرسمية على جذب المنتجين والتجار بدل دفعهم للبحث عن أسواق موازية.
الذهب والميزان التجاري
أهمية زيادة صادرات الذهب الرسمية تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى الميزان التجاري للسودان.
فبيانات 2025 أظهرت أن قيمة الواردات تجاوزت قيمة الصادرات بفارق كبير، إذ بلغت الصادرات نحو 2.64 مليار دولار مقابل واردات تقارب 6.49 مليار دولار، بما يشير إلى عجز تجاري يناهز 3.86 مليار دولار وفق بيانات منسوبة للبنك المركزي.
في اقتصاد بهذه الصورة، تصبح حصائل الصادرات ضرورية لتمويل الواردات وتقليل الضغط على سوق العملات.
والذهب، الذي وفر نحو 1.536 مليار دولار من الصادرات الرسمية في 2025، يمتلك قدرة كبيرة على تحسين الوضع الخارجي إذا ارتفعت نسبة الإنتاج الذي يدخل النظام المصرفي وقنوات التصدير المعتمدة.
المشكلة ليست زيادة الإنتاج وحدها
الرقم القياسي للإنتاج يمثل تطورًا إيجابيًا من ناحية النشاط الاقتصادي، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن زيادة عدد الأطنان وحدها لا تكفي.
فالاستفادة الاقتصادية الحقيقية ترتبط بقدرة الدولة والقطاع الخاص على تحويل الإنتاج إلى صادرات رسمية، وضمان دخول حصائل النقد الأجنبي إلى النظام المالي، وتطوير عمليات التعدين والتصنيع والتكرير، وتقليل التسرب خارج القنوات المنظمة.
كما يحتاج القطاع إلى تحسين معايير السلامة والبيئة، إذ وثقت تقارير حديثة مخاطر يتعرض لها بعض العاملين في التعدين التقليدي نتيجة ضعف إجراءات السلامة واستخدام مواد خطرة في استخلاص الذهب.
فرصة كبيرة إذا أُحسن تنظيم القطاع
الذهب ليس حلًا منفردًا لكل مشكلات الاقتصاد السوداني، ولا يمكن أن يحل محل الزراعة والصناعة والخدمات والتجارة، لكنه يبقى أحد الأصول الاقتصادية الأكثر قدرة على توفير موارد نقد أجنبي في المدى القريب.
الفرق بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية يوضح أين تقع الفرصة: السودان لا يحتاج فقط إلى استخراج المزيد من الذهب، بل إلى إدخال نسبة أكبر مما ينتجه إلى الاقتصاد الرسمي.
إذا نجحت السياسات في جعل التصدير الرسمي أكثر جاذبية وشفافية، وتحسين الرقابة والأسواق، وتقليل التجارة غير الرسمية، فقد يتحول المعدن الأصفر من مورد كبير تتسرب أجزاء من قيمته إلى ركيزة أكثر استقرارًا للاقتصاد.
والتحدي في 2026 لم يعد إثبات أن السودان يمتلك الذهب؛ فالأرقام تثبت ذلك بالفعل. التحدي الحقيقي هو كيف تتحول هذه الثروة إلى صادرات وعائدات واستثمارات يستفيد منها اقتصاد السودان والمجتمع على نطاق أوسع.