تراث السودان في مروي لا يقف اليوم أمام تحدي الزمن وحده؛ فالموقع الذي يحمل آثار واحدة من أهم الحضارات التي ازدهرت في وادي النيل يواجه ضغوطًا متراكمة من الرمال والفيضانات والتغيرات المناخية وصعوبة أعمال الصيانة، بينما تتحرك جهات سودانية ودولية لتنفيذ إجراءات عاجلة لحماية الأهرامات والمدينة الملكية والمواقع الأثرية المرتبطة بها. وتكشف أحدث تقارير اليونسكو لعام 2026 عن أعمال جديدة لحماية الموقع، من بينها تقوية حاجز يمتد نحو 800 متر لمواجهة مخاطر فيضان النيل وإجراءات لتثبيت أجزاء أثرية بدأت تظهر عليها علامات تدهور واضحة.
تقع المواقع الأثرية المعروفة باسم جزيرة مروي في منطقة شبه صحراوية بين نهري النيل وعطبرة، وتشمل المدينة الملكية في مروي، وموقعي النقعة والمصورات الصفراء. وتصفها اليونسكو بأنها كانت قلب مملكة كوش التي شكلت قوة رئيسية في المنطقة من القرن الثامن قبل الميلاد وحتى القرن الرابع الميلادي، بينما تمثل أهرامات مروي نموذجًا مميزًا للعمارة الجنائزية الكوشية ومرآة لثراء الدولة واتصالاتها الواسعة مع أفريقيا وعالم البحر المتوسط والشرق الأوسط.
مروي.. أكثر من مجرد أهرامات
عندما يذكر اسم مروي، تتجه الصورة غالبًا إلى الأهرامات المنتشرة وسط الرمال، لكن القيمة التاريخية للموقع أكبر بكثير من المشهد الشهير للأهرامات.
فالملف المسجل على قائمة التراث العالمي يضم ثلاثة مكونات مترابطة: المدينة الملكية في مروي ومقابرها الهرمية الواسعة، إلى جانب المصورات الصفراء والنقعة، وهما من أكبر المراكز المرتبطة بالحضارة الكوشية خارج وادي النيل المباشر.
وتوضح اليونسكو أن هذه المواقع مجتمعة تقدم أدلة على حجم مملكة كوش ونفوذها، كما تكشف آثارها عن تفاعل ثقافي طويل بين أفريقيا جنوب الصحراء ومناطق البحر المتوسط والشرق الأوسط عبر مسارات التجارة والاتصال القديمة. وقد أدرجت المواقع الأثرية لجزيرة مروي على قائمة التراث العالمي عام 2011.
هذه القيمة تجعل حماية مروي مسألة تتجاوز الحفاظ على مبانٍ قديمة؛ فالموقع يحمل جزءًا أساسيًا من قصة السودان التاريخية ومن فهم تطور المجتمعات والحضارات في وادي النيل.
تقرير 2026 يكشف ضغوطًا جديدة
في تقرير حالة الحفظ المقدم في يناير 2026، أوضحت السلطات السودانية مجموعة من التطورات المتعلقة بحماية الموقع، بينما أشار تحليل مركز التراث العالمي والجهات الاستشارية إلى استمرار عوامل تهدد الآثار، بينها الفيضانات وتراكم الرمال والنباتات المتوغلة والمياه التي تتسرب إلى أجزاء من المباني، فضلًا عن القيود التي تواجه عمليات الإدارة والصيانة.
وأظهرت عمليات التقييم الميداني، بحسب التقرير، تسارعًا في بعض أشكال التدهور. وتبدو الأهرامات من أكثر العناصر تأثرًا، حيث رُصدت تشققات إنشائية وتبلور للأملاح وأضرار في بعض العناصر المنحوتة والنقوش.
هذه المشكلات ليست غريبة على الآثار الموجودة في بيئة صحراوية، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تجتمع الرمال والمياه والرياح وغياب الصيانة المنتظمة في موقع أثري حساس بني من مواد تتأثر بتغيرات الرطوبة والحرارة.
مشروع جديد لحماية المدينة الملكية
أحد أهم التطورات التي كشف عنها تقرير 2026 هو إطلاق مشروع تعاون جديد في مروي بين متحف اللوفر والمؤسسة القومية للآثار والمتاحف في السودان والوحدة الأثرية الفرنسية للآثار السودانية، بدعم من التحالف الدولي لحماية التراث ALIPH.
ويتعامل المشروع مع مجموعة من المخاطر تشمل آثار النزاع والتغير المناخي والفيضانات والضغط المتزايد على الموقع.
ومن أبرز الإجراءات المخطط لها تقوية حاجز قائم بطول نحو 800 متر للمساعدة في حماية المدينة الملكية من مياه فيضان النيل، إلى جانب أنشطة للتوعية بأهمية حماية الموقع والمحافظة عليه.
ويكشف هذا الإجراء عن جانب قد لا يعرفه كثيرون عن مروي؛ فالرمال ليست الخطر الطبيعي الوحيد. وجود المدينة الملكية بالقرب من النيل يجعل إدارة المياه والفيضانات جزءًا أساسيًا من خطط الحماية طويلة المدى.
إزالة الرمال ومحاولات وقف التدهور
نفذت المؤسسة القومية للآثار والمتاحف أيضًا أعمالًا لإزالة الرمال والنباتات في منطقة الأهرامات والمدينة الملكية، بدعم من مساعدة طارئة وفرها صندوق التراث العالمي وبمشاركة مجتمعية محلية.
وشملت التدخلات إزالة الكثبان الرملية بهدف الحد من تبلور الأملاح، وتحسين تصريف المياه حول الأساسات، وملء بعض الفراغات في الحجر الرملي بمواد متوافقة، إضافة إلى أعمال تثبيت وحماية تهدف إلى تقليل مخاطر الانهيار. كما جرى تقوية أجزاء من الحاجز الواقي على طول النيل.
وكانت اليونسكو قد وافقت في فبراير 2025 على مساعدة طارئة بقيمة 36,970 دولارًا لمواجهة آثار التغير المناخي في مواقع التراث العالمي السودانية، وتشمل مروي وجبل البركل ومواقع المنطقة النبتية.
ورغم أهمية هذه التدخلات، يشير تقييم اليونسكو إلى أن القدرات المالية والفنية المتاحة لا تزال غير كافية لمعالجة جميع المخاطر، وهو ما يجعل استمرار الدعم الفني والتمويل والتدريب عنصرًا أساسيًا للمحافظة على الموقع.
النقعة تعود إلى متناول الباحثين
ومن التطورات الإيجابية التي سجلها تقرير 2026 أن موقع النقعة تم تطهيره من الألغام وأصبح متاحًا للباحثين والزوار.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن النقعة جزء أساسي من موقع جزيرة مروي المسجل عالميًا، وتضم مجموعة من المنشآت الدينية والأثرية التي تساعد الباحثين على فهم طبيعة الدولة الكوشية وعلاقاتها الثقافية والدينية.
ومع ذلك، فإن فتح الموقع والوصول إليه يمثل بداية الطريق وليس نهايته؛ فعودة النشاط الأثري تحتاج إلى أعمال صيانة منتظمة وإدارة للزوار وتوثيق علمي مستمر حتى لا تتحول العودة إلى ضغط إضافي على المناطق الهشة.
حماية النقوش قبل أن تضيع التفاصيل
القيمة الحقيقية للآثار لا تكمن فقط في بقاء الجدران قائمة. النقوش والزخارف وتفاصيل البناء تحمل معلومات يمكن للباحثين من خلالها قراءة أجزاء من التاريخ السياسي والاجتماعي والديني لمملكة كوش.
ولهذا فإن ما ورد في تقرير 2026 حول تأثر بعض العناصر المنحوتة والنقوش وتبلور الأملاح يستحق اهتمامًا خاصًا، لأن ضياع هذه التفاصيل قد يكون غير قابل للاستعادة حتى لو بقي المبنى نفسه.
وتدعو الجهات المعنية بالتراث العالمي إلى استمرار الإجراءات الوقائية والدراسات الفنية قبل تنفيذ عمليات ترميم واسعة، حتى لا يؤدي التدخل نفسه إلى إضعاف أصالة الموقع. وقد سبق لليونسكو أن سجلت أن بعض عمليات الترميم القديمة استخدمت إعادة بناء أو مواد جديدة أثرت بدرجات متفاوتة على أصالة أجزاء من الموقع.
التراث مسؤولية تتجاوز المؤسسات
تقدم مروي اليوم درسًا مهمًا في معنى حماية التراث السوداني. فوجود الموقع على قائمة اليونسكو لا يعني أنه أصبح محميًا تلقائيًا من الطبيعة أو الإهمال أو الاستخدام غير المنظم.
الحفاظ عليه يحتاج إلى علماء آثار ومهندسين ومختصين في الترميم، لكنه يحتاج أيضًا إلى المجتمعات المحيطة بالموقع وإلى وعي الزائر بقيمة المكان.
وتشير تقارير الحفظ إلى أن المشاركة المجتمعية كانت جزءًا من بعض إجراءات إزالة الرمال والحماية، وهو اتجاه مهم لأن السكان القريبين من المواقع الأثرية يمكن أن يكونوا خط الدفاع الأول عنها إذا أصبحت حماية التراث جزءًا من حياتهم ومصالحهم المحلية.
مروي ليست مجرد صورة سياحية لأهرامات صغيرة وسط الصحراء. إنها سجل معماري وسياسي وإنساني لمرحلة كان فيها السودان مركزًا لدولة قوية ذات علاقات واسعة ومؤسسات ومدن ومعتقدات خاصة بها.
والمشروعات التي بدأت في 2026 قد لا تحل جميع المشكلات التي تواجه الموقع، لكنها تعيد وضع سؤال حماية مروي في مكانه الصحيح: كيف نحافظ على ما صمد آلاف السنين حتى لا نخسره في عقود قليلة؟
الإجابة تبدأ بالتوثيق والصيانة والتمويل العلمي والإدارة المسؤولة، وتنتهي بوعي السودانيين أنفسهم بأن هذه الآثار ليست بقايا زمن بعيد فحسب، وإنما جزء من الذاكرة التي تحدد كيف يروي السودان قصته للعالم ولأجياله القادمة.