صحة السودان دخلت في 2026 مرحلة مهمة من جهود حماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، بعدما أطلقت وزارة الصحة الاتحادية حملة واسعة للتطعيم ضد شلل الأطفال تستهدف أكثر من 4.3 مليون طفل دون الخامسة في سبع ولايات، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف». وتأتي الحملة في وقت يواجه فيه القطاع الصحي تحديات كبيرة تتعلق بتراجع خدمات التحصين الروتيني وانتشار عدد من الأمراض في مناطق مختلفة من البلاد.
الحملة، التي انطلقت في 28 أبريل 2026، شملت ولايات القضارف والجزيرة وكسلا والخرطوم وشمال كردفان وسنار والنيل الأبيض، وركزت بصورة خاصة على الأطفال في المجتمعات الأكثر عرضة للخطر والمناطق التي تعاني ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية. وهي الجولة الأولى من جولتين مخطط لهما ضمن استجابة وطنية تهدف إلى وقف انتشار الفيروس وتعزيز المناعة بين الأطفال.
لماذا أطلقت الحملة؟
السبب المباشر للحملة كان رصد فيروس شلل الأطفال الدائر المتحور من النمط الثاني (cVDPV2) في ديسمبر 2025 بولايتَي كسلا وشمال كردفان.
هذا النوع من الفيروس يمكن أن يظهر عندما تكون معدلات التحصين منخفضة لفترة طويلة داخل مجتمع ما، وهو ما يجعل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال باللقاح أمرًا أساسيًا لوقف انتقاله. ووفق يونيسف، فإن تراجع خدمات التطعيم منذ بداية النزاع في أبريل 2023 ساهم في اتساع فجوات المناعة بين الأطفال.
وتقدر المنظمة أن نحو 1.5 مليون طفل دون الخامسة في السودان لم يحصلوا على مستوى كافٍ من الحماية ضد شلل الأطفال وغيره من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، وهو رقم يوضح حجم التحدي الذي تواجهه برامج التحصين.
10.9 مليون جرعة لدعم الحملة
بحسب يونيسف، جرى توفير 10.9 مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال لدعم الجولات المخطط لها وضمان توفر اللقاحات في المناطق المستهدفة.
وتولت وزارة الصحة الاتحادية قيادة الحملة والتنسيق مع السلطات الصحية في الولايات، بينما قدمت منظمة الصحة العالمية الدعم الفني والتشغيلي، بما في ذلك تدريب فرق التطعيم ومراقبة تنفيذ الحملة وتقييم نتائجها بعد اكتمالها.
كما شارك آلاف العاملين الصحيين والعاملين المجتمعيين في عمليات التخطيط والوصول إلى الأسر، مع التركيز على المناطق التي قد يصعب الوصول إليها بالخدمات الصحية التقليدية.
هذه التفاصيل مهمة لأن نجاح حملات التطعيم لا يعتمد على توفر الجرعات وحدها؛ بل يحتاج إلى معرفة أماكن الأطفال المستهدفين، وتدريب فرق قادرة على الوصول إليهم، والتأكد من عدم ترك تجمعات سكانية كاملة خارج التغطية.
شلل الأطفال.. مرض يمكن الوقاية منه
شلل الأطفال مرض فيروسي شديد العدوى، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى شلل دائم، بينما لا يوجد علاج يعكس الشلل الذي يحدث بعد الإصابة. ولهذا تعتبر الوقاية باللقاحات الوسيلة الأساسية لحماية الأطفال والحد من انتقال الفيروس.
وأكدت وزارة الصحة ومنظمتا WHO وUNICEF أهمية حصول الأطفال المستهدفين على اللقاح خلال الحملات، موضحة أن الحصول على جرعات متعددة ضروري لبناء مستوى مناسب من الحماية والمساعدة في وقف انتقال الفيروس.
ومن المهم هنا التفريق بين المعلومات الطبية العامة وبين التوجيه الفردي؛ فجدول التطعيم المناسب لكل طفل وأي أسئلة تتعلق بحالته الصحية ينبغي مناقشتها مع العاملين الصحيين أو الجهات الطبية المختصة.
التحصين جزء من أزمة صحية أوسع
حملة شلل الأطفال تأتي ضمن مشهد صحي أكثر تعقيدًا. ففي تقرير لمنظمة الصحة العالمية في فبراير 2026، أشارت المنظمة إلى أن نحو 37% إلى 40% من المرافق الصحية في السودان غير عاملة أو غير قادرة على تقديم خدماتها بصورة طبيعية، بينما تنتشر أمراض مثل الملاريا والحصبة وحمى الضنك وغيرها في عدة مناطق.
وفي أبريل 2026 قالت WHO إن السودان يشهد في الوقت نفسه انتشارًا أو استجابة لعدد من الأمراض، من بينها الملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد E والتهاب السحايا والدفتيريا في ولايات متعددة.
هذا الوضع يجعل التحصين الروتيني أكثر أهمية، لأن ضعف الخدمات الصحية لا يؤثر فقط في علاج المرضى، بل يمكن أن يؤدي أيضًا إلى انقطاع التطعيمات الدورية وظهور فجوات في المناعة بين الأطفال.
حملات واسعة رغم الظروف
رغم التحديات، تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تنفيذ حملات تطعيم واسعة خلال السنوات الأخيرة.
وقالت WHO في أبريل 2026 إن حملات التطعيم التي دعمتها المنظمة وصلت إلى أكثر من 46 مليون طفل وبالغ بلقاحات ضد أمراض مختلفة، تشمل الكوليرا وشلل الأطفال والدفتيريا والحصبة والحصبة الألمانية، كما أُدخل لقاح الملاريا إلى برنامج التحصين الروتيني في السودان، ليصبح السودان أول دولة في إقليم شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية تدخل لقاح الملاريا ضمن برنامجها الروتيني.
هذه الأرقام لا تعني انتهاء المخاطر، لكنها تكشف أن التطعيم ما زال أحد أهم الأدوات المتاحة لحماية السكان في ظل الضغط الذي يتعرض له النظام الصحي.
الثقة بالمعلومة جزء من نجاح التطعيم
في الحملات الصحية الكبيرة، لا يكفي وجود اللقاح والفرق الطبية؛ إذ تحتاج الأسر أيضًا إلى معلومات واضحة من مصادر موثوقة.
وتزداد أهمية ذلك مع انتشار الشائعات والمعلومات الطبية غير الدقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك تبقى وزارة الصحة والمنظمات الصحية المعترف بها والعاملون الصحيون المؤهلون المصادر الأنسب للحصول على المعلومات المتعلقة باللقاحات ومواعيد الحملات والفئات المستهدفة.
ومن جانبها، دعت وزارة الصحة الاتحادية ومنظمتا WHO وUNICEF الآباء ومقدمي الرعاية إلى إتاحة حصول الأطفال على اللقاح خلال الحملة، خصوصًا في المناطق التي شهدت فجوات في التحصين.
حماية الطفل تبدأ قبل المرض
تضع حملة 2026 ملف التحصين في السودان أمام اختبار واضح: الوصول إلى ملايين الأطفال في وقت ما تزال فيه الخدمات الصحية متفاوتة بين الولايات والمناطق.
لكن أهمية الحملة لا تتوقف عند العدد المستهدف. نجاحها يعني تقليل المساحات التي يستطيع فيروس شلل الأطفال الانتقال داخلها، واستعادة جزء من انتظام برامج التطعيم التي تعطلت خلال السنوات الماضية.
بالنسبة للأسر السودانية، تظل الرسالة الأساسية بسيطة: الوقاية من الأمراض التي يمكن تجنبها باللقاحات توفر للطفل حماية لا يمكن تعويضها بعد الإصابة. أما بالنسبة للنظام الصحي، فإن استعادة برامج التحصين المنتظمة والوصول إلى الأطفال في كل المناطق ستظل واحدة من أهم خطوات حماية صحة السودان على المدى الطويل.