كهرباء السودان لم تعد ملفًا خدميًا يتعلق بإنارة المنازل وحدها. مع عودة النشاط تدريجيًا إلى عدد من المدن ومحاولات الأسواق والورش والمصانع استئناف أعمالها، تحولت استعادة الإمداد الكهربائي إلى واحدة من العقد الأساسية أمام تعافي الاقتصاد. فكل ساعة ينقطع فيها التيار تعني، بالنسبة لكثير من أصحاب الأعمال، إنتاجًا أقل وتكلفة أعلى وقدرة أضعف على العودة إلى السوق.
هذا الواقع أعاد قطاع الطاقة إلى مقدمة الملفات الاقتصادية. وفي مطلع سبتمبر، ناقشت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي مع إدارة شركة كهرباء السودان وشركة النيل للبترول ترتيبات مرتبطة بتوفير الوقود لمحطات التوليد الحراري، في محاولة لزيادة الطاقة المنتجة وتحسين استقرار الإمداد. الوزارة ربطت بصورة مباشرة بين الكهرباء وزيادة الإنتاج ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
الكهرباء لم تعد مجرد فاتورة شهرية
في الاقتصاد، لا تتوقف أهمية الكهرباء عند تشغيل الإضاءة أو الأجهزة المنزلية. المخبز يحتاجها، والورشة تعتمد عليها، والمصنع لا يستطيع تشغيل خطوطه من دونها، ومتجر المواد الغذائية يحتاج التبريد، كما تعتمد عليها شبكات الاتصالات والخدمات الرقمية والمؤسسات الصحية وسلاسل التخزين.
لهذا فإن انقطاع الكهرباء لا يُقاس فقط بعدد الساعات المظلمة، بل بما يضيفه إلى تكلفة النشاط الاقتصادي.
صاحب ورشة صغيرة يستطيع في الظروف الطبيعية تشغيل معداته مباشرة من الشبكة، لكن عند الانقطاع يصبح أمام خيار استخدام مولد وشراء الوقود، أو تعليق العمل. وفي الحالتين ترتفع التكلفة: إما من خلال الوقود والصيانة أو من خلال خسارة ساعات الإنتاج.
رويترز رصدت في أغسطس أثر الانقطاعات الواسعة على الحياة والنشاط الاقتصادي في السودان، ومن بين النماذج التي أوردتها أصحاب مهن وورش تأثرت قدرتهم على إنجاز الأعمال وكسب الدخل بسبب عدم استقرار التيار، في وقت جعلت فيه كلفة الوقود تشغيل المولدات خيارًا صعبًا لكثير من الأسر والأعمال الصغيرة.
أزمة سبقت الحرب.. ثم أصبحت أكثر تعقيدًا
المشكلة الكهربائية في السودان لم تبدأ خلال السنوات الأخيرة. بيانات البنك الدولي تشير إلى أن القدرة المركبة لتوليد الكهرباء قبل اندلاع الصراع كانت تقارب 3700 ميغاواط، لكن القطاع كان يعاني في الوقت نفسه عجزًا في التوليد يقدّر بنحو 900 ميغاواط، إلى جانب ساعات طويلة من فصل الأحمال في فترات ارتفاع الطلب.
وقدّر البنك الدولي معدل الوصول إلى الكهرباء قبل الحرب بنحو 56%، بينما كانت تعرفة الكهرباء تغطي قرابة نصف تكاليف التشغيل فقط، وهي مؤشرات توضح أن القطاع كان يواجه أصلًا مشكلات في التمويل والاستدامة والقدرة على تلبية الطلب.
ثم جاءت الحرب لتضيف طبقة أخرى من التعقيد: أضرار في شبكات النقل والتوزيع، صعوبة الحصول على قطع الغيار، مشكلات في الإمداد بالوقود، تراجع الإيرادات، وانتقال العاملين والكوادر من مناطق إلى أخرى. البنك الدولي وصف هذه التحديات بأنها متشابكة، لأنها لا تتعلق بمحطات التوليد وحدها، وإنما بالشبكة التي تنقل الكهرباء وبقدرة المؤسسات على تشغيلها وصيانتها.
وفي الخرطوم، أظهرت تقارير خلال يوليو أن عودة السكان والنشاط الاقتصادي سبقت في بعض المناطق عودة الخدمات بالمستوى نفسه؛ إذ ظلت الكهرباء واحدة من العقبات التي تواجه إعادة فتح الأعمال واستئناف الحياة الاقتصادية بصورة طبيعية.
لماذا يصبح استقرار التيار قضية اقتصادية؟
عودة الاقتصاد لا تبدأ فقط بإعادة فتح الأسواق. لكي يعمل السوق يحتاج إلى سلسلة مترابطة: إنتاج، نقل، تخزين، اتصالات وخدمات مالية. والكهرباء تدخل تقريبًا في جميع حلقات هذه السلسلة.
في الصناعة، انقطاع التيار قد يوقف خط الإنتاج بالكامل. وفي الصناعات الغذائية يضيف ضعف التبريد مخاطر أخرى مرتبطة بالتلف والتخزين. وفي الخدمات، تحتاج أجهزة الحاسوب وشبكات الإنترنت وأنظمة الدفع إلى مصدر كهرباء مستقر.
وهذا يعني أن ضعف الإمداد يمكن أن يظهر في النهاية داخل سعر السلعة نفسها. فعندما يتحمل المنتج تكلفة مولد ووقود وصيانة إضافية، يصبح من الصعب فصل تلك التكلفة عن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
كما أن الكهرباء مهمة لأي حديث جاد عن عودة الاستثمارات. المستثمر لا ينظر فقط إلى الضرائب أو تكلفة العمالة؛ بل يسأل أيضًا عن الطاقة والمياه والطرق والاتصالات. مصنع يمتلك تمويلًا وسوقًا للمنتج لكنه لا يملك إمدادًا مستقرًا للطاقة يظل مشروعًا مرتفع المخاطر.
التوليد الحراري يعود إلى الواجهة
الاجتماع الذي عقدته وزارة المالية في سبتمبر ركز بصورة لافتة على مسألة الوقود اللازم لمحطات التوليد الحراري. وأفادت الوزارة بأن النقاش تناول ترتيبات من شأنها زيادة الطاقة المنتجة من تلك المحطات وتحسين استقرار الإمداد.
أهمية هذه الخطوة تأتي من أن الاعتماد على مصدر واحد لا يوفر بالضرورة استقرارًا كافيًا للشبكة. التوليد المائي يظل عنصرًا مهمًا، لكن قدرته تتأثر بعوامل تشغيلية وموسمية، بينما يحتاج التوليد الحراري بدوره إلى وقود وتمويل وصيانة منتظمة.
ومن هنا تصبح القضية أكبر من إصلاح محطة أو توفير شحنة وقود. المطلوب اقتصاديًا هو نظام يستطيع الحفاظ على الإمداد وتغطية تكلفة تشغيله وإجراء الصيانة قبل وقوع الأعطال، مع حماية القطاعات الإنتاجية من الانقطاعات الطويلة.
الطاقة الشمسية تفتح بابًا آخر
أمام صعوبة الاعتماد الكامل على الشبكة، اتجهت منازل وأعمال صغيرة إلى الطاقة الشمسية بوصفها مصدرًا بديلًا أو مساعدًا. وذكرت رويترز أن الحكومة كانت قد أعفت الألواح الشمسية المخصصة للاستخدام الشخصي من الرسوم الجمركية وسط أزمة الكهرباء.
لكن الطاقة الشمسية لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها حلًا للأسر. بالنسبة إلى السودان، يمكن أن تصبح جزءًا من معادلة تشغيل الأنشطة الزراعية والتجارية الصغيرة، خصوصًا في المناطق البعيدة عن الشبكة، إذا توفرت المعدات والتمويل وخدمات الصيانة.
ولا يعني ذلك أن الألواح الشمسية تستطيع وحدها حل أزمة الشبكة القومية. المصانع الكبيرة والمرافق العامة والمدن تحتاج إلى منظومة توليد ونقل مستقرة. لكن توزيع مصادر الطاقة يمكن أن يقلل الضغط على الشبكة ويمنح الأعمال الصغيرة هامشًا أكبر للاستمرار.
التعافي يبدأ من البنية الأساسية
البنك الدولي يقدّر أن الاقتصاد السوداني تعرض لانكماش حاد منذ اندلاع الحرب، قبل أن تظهر مؤشرات أولية على عودة بعض النشاط مع تحسن الأوضاع في عدد من المناطق. لكنه يؤكد أن التعافي المستدام يرتبط بإعادة بناء القدرة الإنتاجية والبنية الأساسية إلى جانب تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ولهذا تبدو الكهرباء اختبارًا عمليًا لمرحلة التعافي. فتح متجر أو ورشة يمكن أن يحدث سريعًا، لكن إعادة بناء البيئة التي تسمح لهما بالعمل بصورة منتظمة أصعب بكثير.
السودان يمتلك موارد وفرصًا إنتاجية كبيرة في الزراعة والتعدين والصناعة والخدمات، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نشاط اقتصادي فعلي يحتاج إلى شيء أساسي قبل كثير من الخطط الكبيرة: تيار كهربائي يستطيع المنتج الاعتماد عليه.
وعندما تصبح الكهرباء مستقرة، لا يستفيد منها المنزل وحده؛ تعود ماكينة إلى العمل، وثلاجة إلى التخزين، ومصنع إلى الإنتاج، ومتجر إلى البيع. عندها تتحول استعادة الكهرباء من إصلاح خدمي إلى جزء حقيقي من إعادة تشغيل الاقتصاد.