الموسم الزراعي في السودان يدخل أسابيع حاسمة، وبينما تتوسع المساحات المزروعة في واحدة من أهم الولايات المنتجة للحبوب، لا تزال الأسواق تعكس واقعًا مختلفًا تمامًا: أسعار مرتفعة للذرة والدخن، وتكاليف إنتاج ونقل تضغط على المزارع والمستهلك معًا. أحدث الأرقام القادمة من القضارف تمنح قدرًا من التفاؤل، لكنها تضع في الوقت نفسه سؤالًا اقتصاديًا مباشرًا: هل تتحول زيادة الزراعة هذا العام إلى إنتاج يكفي لتهدئة أسعار الغذاء؟
في 14 سبتمبر 2026، أعلنت اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي بولاية القضارف أن المساحة المزروعة بالمحاصيل المختلفة تجاوزت 5.7 ملايين فدان من أصل خطة تأشيرية تبلغ 7.6 ملايين فدان، مع استمرار عمليات الزراعة في أجزاء من الولاية.
ويحتل الذرة المساحة الأكبر بنحو 3.5 ملايين فدان، يليه السمسم بنحو 600 ألف فدان، ثم الدخن والفول السوداني ومحاصيل أخرى تشمل القطن وزهرة الشمس وحب البطيخ.
هذه الأرقام تجعل القضارف مرة أخرى في قلب معادلة الغذاء والاقتصاد السوداني.
فالولاية ليست منطقة إنتاج محلية فقط، بل واحدة من المساحات الزراعية التي يعتمد عليها السودان في توفير الحبوب والمحاصيل النقدية، وبالتالي فإن نجاح موسمها أو تعثره يمتد أثره إلى الأسواق والأسعار والتجارة والصادرات.
المساحة الكبيرة لا تعني محصولًا كبيرًا تلقائيًا
في الاقتصاد الزراعي، عدد الأفدنة المزروعة مهم، لكنه ليس الرقم الوحيد الذي يحدد النتيجة.
يمكن أن تتوسع المساحة بينما ينخفض متوسط الإنتاج في الفدان بسبب ضعف الأمطار أو ارتفاع أسعار الأسمدة والتقاوي والمبيدات أو صعوبة الحصول عليها في الوقت المناسب.
وهذه تحديدًا بعض التحديات التي تظهر في موسم 2026.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة قالت في تقريرها المحدث مطلع سبتمبر إن موسم الأمطار شهد كميات تراكمية أقل من المتوسط في مناطق زراعية مهمة.
وفي القضارف، قدرت المنظمة أن الأمطار بين يونيو ومنتصف أغسطس كانت أقل بنحو 30% من المتوسط طويل الأجل، بينما بلغ النقص نحو 20% في سنار.
وهاتان الولايتان وحدهما تسهمان عادة بجزء مهم من إنتاج الذرة في السودان.
لذلك فإن الرقم النهائي الذي ينبغي مراقبته بعد الحصاد ليس المساحة المزروعة وحدها، بل كمية الحبوب التي تخرج بالفعل من كل فدان.
موسم يأتي بعد إنتاج ضعيف
أهمية محصول 2026 تزداد عند النظر إلى ما حدث في الموسم السابق.
تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، استنادًا إلى تقييم وطني للإمدادات والمحاصيل، وضعت إجمالي إنتاج الحبوب في السودان خلال 2025 عند نحو 5.2 ملايين طن من الذرة والدخن والقمح.
وهذا المستوى يقل بنحو 22% عن إنتاج 2024، وبنحو 19% عن متوسط السنوات الخمس السابقة.
التراجع ارتبط بصورة أساسية باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المدخلات وصعوبة تنفيذ العمليات الزراعية في عدد من المناطق.
هذه الخلفية تعني أن الموسم الحالي لا يبدأ من وضع مريح.
الأسواق دخلت 2026 وهي تحمل آثار محصول أقل من المعتاد، وبالتالي يصبح أي تحسن ملموس في الإنتاج الجديد مهمًا ليس فقط للمزارع، بل أيضًا لمستويات المعروض والأسعار.
الذرة والدخن عند مستويات استثنائية
بعد يوم واحد تقريبًا من صدور أحدث أرقام القضارف، أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة مدى الضغط الذي لا تزال تواجهه الأسواق.
المنظمة قالت إن أسعار التجزئة للذرة المنتجة محليًا ارتفعت في أغسطس في معظم الأسواق التي تتابعها بنسب تراوحت بين 6% و54% خلال شهر واحد، بينما ارتفعت أسعار الدخن بنسب تراوحت بين 4% و16%.
ووصف التقرير مستويات الأسعار بأنها “مرتفعة بصورة استثنائية”.
وبالمقارنة مع مارس 2023، كانت أسعار الذرة والدخن في المتوسط تقارب ثمانية أضعاف مستويات ما قبل الحرب.
هذه الفجوة الكبيرة لا تنتج عن عامل واحد.
هناك انخفاض الإنتاج، واضطراب حركة التجارة، وارتفاع تكلفة المدخلات، وضعف العملة، ثم تكلفة الوقود التي تدخل في كل خطوة تقريبًا من الحقل إلى السوق.
الوقود يصل إلى سعر جوال الذرة
قد يزرع المزارع محصوله في القضارف، لكن تكلفة السلعة لا تتوقف عند بوابة المزرعة.
الحصاد يحتاج إلى آليات، والآليات تحتاج إلى وقود وصيانة، ثم يجب نقل المحصول إلى الأسواق ومراكز التخزين والطحن والتوزيع.
كل ارتفاع في تكلفة الوقود يمكن أن يتحرك تدريجيًا عبر هذه السلسلة حتى يصل إلى السعر الذي يدفعه المستهلك.
وتقول منظمة الأغذية والزراعة إن متوسط أسعار البنزين في الأسواق التجارية ارتفع بنحو 75% بين مارس ويوليو 2026، بينما تجاوز ارتفاع الديزل 100% خلال الفترة نفسها.
ولأن الزراعة قطاع يعتمد بشدة على النقل والآلات، فإن هذه الزيادات تقلص جزءًا من الفائدة التي يمكن أن تحققها زيادة الإنتاج.
بعبارة أخرى، إنتاج كمية أكبر يساعد على زيادة المعروض، لكن إذا كان نقل هذه الكمية مكلفًا للغاية فقد يبقى الانخفاض المتوقع في الأسعار محدودًا.
التمويل يعود إلى قلب الموسم
الحكومة السودانية وضعت التمويل الزراعي ضمن الملفات الرئيسية لهذا الموسم.
وفي يوليو أعلنت وزارة المالية إنشاء محفظة تمويل مصرفي تتجاوز ثلاثة تريليونات جنيه بمشاركة المصارف العاملة في البلاد، على أن تضمن الوزارة المحفظة، مع تحمل جزء من تكلفة التأمين الزراعي.
الفكرة الاقتصادية من التمويل واضحة: المزارع الذي لا يستطيع شراء الوقود أو التقاوي أو السماد في الوقت الصحيح قد يخسر الموسم حتى لو كانت لديه الأرض.
لكن التمويل وحده لا يكفي.
قيمته الحقيقية تظهر عندما يصل قبل فوات مراحل الزراعة، وبشروط يستطيع المنتج تحملها، وعندما تكون المدخلات نفسها متوفرة في الأسواق.
اللجنة الزراعية في القضارف أشارت في تقاريرها الأخيرة إلى استمرار ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج وندرة وارتفاع أسعار الأسمدة والتقاوي والمبيدات ضمن أبرز المشكلات التي تواجه الموسم.
لماذا تعتبر القضارف مهمة للاقتصاد؟
غالبًا ما ينظر إلى الزراعة باعتبارها ملفًا للأمن الغذائي فقط، لكنها في السودان قطاع اقتصادي أوسع بكثير.
الذرة والدخن يرتبطان مباشرة بغذاء الأسر، بينما السمسم والفول السوداني والقطن ومحاصيل أخرى تمتلك قيمة تجارية وتصديرية.
وعندما يحقق الموسم إنتاجًا جيدًا، يمتد النشاط إلى النقل والتخزين والأسواق والمطاحن والتجارة وتمويل المزارعين والعمالة الموسمية.
أما الموسم الضعيف فيحدث العكس.
يقل المعروض المحلي، وتزداد الحاجة إلى الاستيراد، ويرتفع الضغط على النقد الأجنبي، ويواجه المستهلك أسعارًا أعلى.
البنك الدولي يرى أن إعادة تنشيط الزراعة ودعم صغار المنتجين وإعادة بناء سلاسل القيمة الزراعية من العناصر الأساسية لأي تعاف اقتصادي أكثر استدامة في السودان.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الزراعة تستطيع تشغيل النشاط الاقتصادي خارج المراكز الحضرية الكبيرة وبسرعة أكبر نسبيًا من بعض القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وبنية صناعية معقدة.
رقم 5.7 ملايين فدان ليس نهاية القصة
الأرقام الحالية في القضارف إيجابية من حيث قدرة المزارعين على إدخال مساحات كبيرة إلى الموسم، لكنها لا تسمح حتى الآن بالحكم على حجم المحصول النهائي.
الأمطار ستظل عاملًا حاسمًا.
وكذلك الآفات الزراعية وتوفر الوقود والمدخلات وإمكانية الحصاد والنقل.
لذلك فإن تحويل المساحة المزروعة إلى خبر اقتصادي جيد يحتاج إلى ثلاث مراحل: نجاح نمو المحصول، ثم حصاده، ثم وصوله إلى السوق بتكلفة تسمح بزيادة المعروض دون إضافة أعباء كبيرة إلى السعر.
وأي اختناق في إحدى هذه المراحل يمكن أن يقلل من أثر المساحات الواسعة المزروعة.
هل تنخفض الأسعار بعد الحصاد؟
زيادة المعروض عادةً تساعد على تخفيف الضغوط السعرية، ولهذا يمكن لموسم جيد أن يمنح الأسواق بعض الراحة.
لكن من المبكر القول إن أسعار الذرة والدخن ستنخفض تلقائيًا أو بنسبة كبيرة بمجرد بدء الحصاد.
السعر النهائي سيتأثر بحجم الإنتاج الحقيقي، وتكلفة النقل والوقود، وحركة الأسواق بين الولايات، وسعر العملة، وقدرة التجار والمطاحن على الوصول إلى المحصول.
كما أن السودان سيظل بحاجة إلى استيراد كميات من الحبوب، وخصوصًا القمح.
منظمة الأغذية والزراعة تتوقع أن تصل احتياجات استيراد الحبوب خلال 2026 إلى نحو 2.8 مليون طن، معظمها من القمح.
لذلك فإن نجاح المحاصيل المحلية يمكن أن يقلل جزءًا من الضغوط، لكنه لن يلغي اعتماد البلاد على الواردات الغذائية بالكامل.
معركة اقتصادية تبدأ من الحقل
ما يحدث في القضارف يوضح لماذا يصعب فصل الزراعة عن الاقتصاد الكلي في السودان.
المزارع الذي يضع البذرة في الأرض يتعامل في الوقت نفسه مع سعر الوقود وسعر السماد والتمويل والنقل وحركة العملة والأسواق.
والمستهلك الذي يشتري جوال الذرة في مدينة بعيدة يدفع في السعر النهائي جزءًا من كل تلك التكاليف.
لهذا فإن نجاح الموسم الزراعي لا يقاس فقط بعدد الأفدنة الخضراء.
يُقاس بما يصل إلى الأسواق، وبالسعر الذي يستطيع المواطن تحمله، وبالدخل الذي يبقى في يد المزارع بعد دفع تكاليف الإنتاج.
أكثر من 5.7 ملايين فدان مزروعة في القضارف تمنح الموسم الحالي وزنًا اقتصاديًا حقيقيًا.
لكن الاختبار الأكبر سيبدأ عندما تدخل الحصادات إلى الحقول.
عندها فقط سيتضح ما إذا كانت المساحات الواسعة التي زرعت هذا العام ستتحول إلى وفرة في الأسواق، أم أن تكاليف الإنتاج والطقس والنقل ستأخذ جزءًا كبيرًا من أثرها.
المصادر:
- وكالة السودان للأنباء، تقرير الموسم الزراعي بالقضارف، 14 سبتمبر 2026.
- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، موجز السودان، سبتمبر 2026.
- منظمة الأغذية والزراعة، نظام مراقبة أسعار الغذاء، 14 سبتمبر 2026.
- وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، ترتيبات تمويل الموسم الزراعي 2026-2027.
- البنك الدولي، تحديث الاقتصاد السوداني.