حسين شريف يعود هذا الشهر إلى واجهة المشهد الفني في لندن، بعد أكثر من عقدين على رحيله، من خلال عرض استعادي يقيمه معهد الفنون المعاصرة ICA في 22 سبتمبر 2026، يعيد تقديم تجربته بوصفها واحدة من أكثر التجارب السودانية تداخلًا بين الرسم والشعر والسينما. الحدث لا يستعيد أفلامًا قديمة فحسب، بل يعيد طرح سؤال ظل ملازمًا لمسيرة شريف: كيف يمكن للفنان أن ينتقل بين أكثر من وسيط من دون أن يفقد صوته الخاص؟
بالنسبة لكثير من الجمهور السوداني، قد يرتبط اسم حسين شريف بالسينما التجريبية أو بفيلم “اختلال الكهرمان”، بينما يعرفه آخرون بوصفه رسامًا وشاعرًا ومثقفًا عاش جزءًا كبيرًا من حياته بين السودان وبريطانيا ومصر.
لكن النظر إلى هذه المجالات منفصلة لا يشرح تجربته كاملة.
فشريف نفسه كان يرى أن طريقته في صناعة الفيلم لم تكن بعيدة عن طريقة تفكيره كرسام؛ الكادر بالنسبة إليه مساحة بصرية، والضوء واللون والحركة أدوات يمكن التعامل معها كما يتعامل الفنان مع سطح اللوحة.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربته مختلفة عن مسار المخرج التقليدي.
البداية كانت من الرسم
ولد حسين شريف في أم درمان عام 1934، قبل أن يواصل تعليمه في السودان ومصر ثم بريطانيا.
درس التاريخ الحديث في جامعة كامبريدج، وبعد ذلك انتقل إلى مدرسة سليد للفنون الجميلة في لندن، حيث أكمل دراسته في الرسم في نهاية الخمسينيات.
وخلال تلك المرحلة بدأ عرض أعماله الفنية في لندن، في وقت كانت فيه الحركة الفنية البريطانية والأوروبية تشهد تحولات كبيرة في الرسم الحديث والتجريب البصري.
كانت اللوحة بالنسبة إليه في البداية المساحة الأساسية للتعبير.
لكن اهتمامه بالفن لم يتوقف عند الحدود التقليدية للرسم.
فمع مرور الوقت بدأ يبحث عن وسيلة تستطيع الوصول إلى جمهور أوسع، وهنا ظهرت السينما.
لماذا ترك الرسام جزءًا من مرسمه؟
خلال السبعينيات بدأ حسين شريف يوجه اهتمامًا متزايدًا نحو الفيلم.
لم يكن ذلك تخليًا عن الرسم، بل انتقالًا إلى مساحة تسمح للصورة بالحركة والصوت والزمن.
هذه الفكرة كانت أساسية في تجربته.
فالرسام يستطيع تثبيت اللحظة داخل اللوحة، بينما يستطيع المخرج أن يجعلها تتحرك وتتغير وتدخل في علاقة مع الموسيقى والكلمة والصمت.
عاد شريف إلى السودان وعمل في المجال الثقافي، ثم توسعت تجربته السينمائية بصورة أكثر وضوحًا، خصوصًا بعد دراسته للسينما في بريطانيا.
ومن هنا بدأت مرحلة أنتج فيها أعمالًا لم تكن تشبه الفيلم الوثائقي التقليدي ولا السينما الروائية المعتادة.
سواكن تتحول إلى قصيدة بصرية
واحد من أشهر أعمال حسين شريف هو فيلم “اختلال الكهرمان” الذي أنجز في منتصف السبعينيات.
الفيلم مرتبط بمدينة سواكن على البحر الأحمر، لكنه لا يقدمها في صورة تقرير تاريخي مباشر.
بدلًا من ذلك، تعامل شريف مع المدينة باعتبارها مكانًا للذاكرة والزمن والغياب.
المباني القديمة، البحر، الفراغات والضوء تتحول داخل الفيلم إلى عناصر بصرية تحمل إحساسًا أكثر مما تقدم شرحًا.
وهنا يظهر أثر الرسام بوضوح.
الكاميرا لا تبحث فقط عما يحدث أمامها، وإنما عن شكل المشهد نفسه.
أين يدخل الضوء؟
كيف تتحرك العين داخل الكادر؟
ماذا يقول المكان عندما لا يتحدث أحد؟
بهذه الطريقة أصبحت سواكن عند حسين شريف أكثر من موقع تصوير.
تحولت إلى مادة فنية.
السينما ليست مجرد قصة
في نهاية السبعينيات قدم شريف فيلم “النمور أجمل”، وهو عمل استوحاه من قصة للكاتبة جين ريس.
هذا الانتقال من السودان ومكانه وذاكرته إلى نص أدبي من سياق مختلف يكشف اتساع اهتمامه الفني.
فهو لم يكن يريد أن يصنع نوعًا واحدًا من الأفلام.
كان مهتمًا بما تستطيع الصورة فعله.
وهذا الاهتمام بالتجريب هو أحد الأسباب التي تجعل أعماله تستعاد اليوم داخل مؤسسات الفن المعاصر، وليس فقط في أرشيفات السينما.
فالمخرج التقليدي غالبًا يبدأ من القصة ثم يبحث عن الصورة التي ترويها.
أما في جزء من تجربة شريف، فالصورة نفسها قد تصبح نقطة البداية.
الرسم ظل موجودًا داخل الفيلم
من الصعب مشاهدة أعمال حسين شريف من دون ملاحظة البناء البصري للكادر.
حتى عندما انتقل إلى السينما، بقي الرسام حاضرًا.
التكوين، والفراغ، والكتل، واللون، والتباين بين الضوء والظل كلها عناصر تحمل حساسية تشكيلية واضحة.
وهذا يفسر لماذا كانت تجربته قادرة على الحركة بين المعرض والسينما.
الفيلم عنده ليس مجرد شاشة تعرض أحداثًا.
يمكن النظر إلى بعض مشاهده بوصفها لوحات متحركة.
وهذا النوع من التداخل بين الفنون أصبح مألوفًا اليوم، لكن في التجارب السودانية المبكرة كان أكثر ندرة.
لندن تستعيد تجربة سودانية قديمة
في 22 سبتمبر 2026، يقدم معهد الفنون المعاصرة في لندن عرضًا استعاديًا لأعمال شريف بالتعاون مع منصة Shasha Movies.
اختيار لندن للمناسبة يحمل معنى خاصًا في مسيرته.
فهي المدينة التي درس فيها الفن وعرض فيها أعماله منذ شبابه، ثم عاد إليها لاحقًا لدراسة السينما والعمل على أفلامه.
وبذلك يصبح العرض نوعًا من العودة إلى إحدى المدن التي تشكلت فيها تجربته الفنية.
لكن الفارق أن الجمهور اليوم ينظر إلى هذه الأعمال من زمن مختلف تمامًا.
السينما الرقمية أصبحت هي القاعدة.
والهاتف يستطيع تصوير فيلم كامل.
والمنصات تعرض آلاف الساعات من الفيديو كل يوم.
وسط هذا التدفق الهائل، تعود أفلام صُنعت قبل عقود لتذكر المشاهد بأن قوة الصورة لا تعتمد دائمًا على حجم المعدات أو سرعة التقنية.
الأرشيف يعيد الفنان إلى الحاضر
عودة حسين شريف إلى النقاش الفني لم تبدأ من العرض الحالي وحده.
خلال السنوات الماضية جرت أعمال بحث وأرشفة واسعة لمقتنياته ووثائقه وأفلامه، بعد أن بدأت ابنته إيمان في جمع المواد المتعلقة بحياته وأعماله عقب وفاته في 2005.
وتعاون باحثون ومؤسسات أكاديمية على دراسة هذا الأرشيف واستعادة تفاصيل تجربته بين الخرطوم ولندن والقاهرة.
الأرشيف هنا لا يؤدي وظيفة حفظ الماضي فقط.
عندما تجمع الرسائل والمسودات واللقطات والوثائق، يصبح من الممكن فهم كيف كان الفنان يعمل وكيف تطورت أفكاره وما الذي لم يكتمل من مشروعاته.
وهذه نقطة مهمة في تاريخ الفن السوداني عمومًا.
فكثير من التجارب الفنية الكبيرة لا تعاني من نقص القيمة، بل من نقص التوثيق.
الفن السوداني يحتاج إلى أرشيفه
قصة حسين شريف تفتح ملفًا أوسع.
كم عدد الرسامين والموسيقيين والمصورين والمخرجين السودانيين الذين تركوا أعمالًا موزعة بين البيوت والاستوديوهات والأشرطة القديمة؟
وكم من تلك المواد لم يجر فهرستها أو رقمنتها بعد؟
الفنان قد يرحل، لكن أعماله يمكن أن تبدأ حياة جديدة إذا وُجد الأرشيف الذي يسمح لجيل آخر بالوصول إليها.
وهذا ما يحدث اليوم مع كثير من التجارب الفنية السودانية التي يعاد اكتشافها في الجامعات والمتاحف والمهرجانات الدولية.
كل صورة أو فيلم أو دفتر رسومات محفوظ بصورة جيدة يمكن أن يصبح بعد سنوات مصدرًا لفهم مرحلة كاملة من تاريخ الفن.
بين الخرطوم والقاهرة ولندن
حياة حسين شريف نفسها كانت موزعة بين أكثر من مدينة.
أم درمان كانت البداية.
لندن كانت مكانًا للدراسة والتجريب.
الخرطوم كانت مساحة للعمل الثقافي والعودة إلى المجتمع السوداني.
وفي سنواته الأخيرة عاش في القاهرة وواصل العمل على مشروعات فنية وسينمائية حتى وفاته عام 2005.
هذا التنقل ترك أثره في أعماله.
هناك دائمًا علاقة بين المكان والذاكرة والغياب.
ويمكن رؤية ذلك بصورة خاصة في الأعمال التي تناولت تجربة الاغتراب أو استدعت السودان من خارجه.
لكن شريف لم يقدم الغربة باعتبارها موضوعًا جغرافيًا فقط.
كانت أيضًا حالة بصرية وشعورية.
لماذا يعود حسين شريف الآن؟
ربما لأن الزمن نفسه أصبح أكثر استعدادًا لفهم تجربته.
الحدود بين السينما والفن التشكيلي والفيديو والتركيب البصري أصبحت اليوم أقل صلابة.
الفنان يستطيع أن يرسم، ويصور، ويصنع فيلمًا، ويعرض العمل نفسه داخل معرض أو شاشة سينما.
هذه المساحة التي أصبحت عادية نسبيًا اليوم كان حسين شريف يتحرك داخلها قبل عقود.
ولهذا تبدو أعماله عند استعادتها أقل ارتباطًا بالماضي مما قد نتوقع.
هو لم يكن مجرد رسام تحول إلى مخرج.
كان فنانًا يحاول باستمرار العثور على الشكل الأنسب للفكرة.
مرة تكون لوحة.
ومرة تكون قصيدة.
ومرة يصبح الحل هو الكاميرا.
عندما تبقى الصورة بعد صاحبها
العرض الاستعادي في لندن لا يستطيع أن يلخص حياة فنية امتدت لعقود في ليلة واحدة.
لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا مهمًا: أن يعيد فتح الباب.
قد يشاهد شخص فيلمًا لحسين شريف للمرة الأولى، ثم يبحث عن لوحاته.
وقد يبدأ باحث من فيلم واحد ثم يصل إلى تاريخ أوسع للسينما السودانية.
وقد يكتشف فنان شاب أن التجريب البصري في السودان ليس ظاهرة جديدة، وأن أجيالًا سابقة خاضت هذه المغامرة قبل زمن الفيديو الرقمي والمنصات.
وهنا تكمن قيمة الاستعادة الفنية الحقيقية.
الفنان الراحل لا يعود إلى الحياة، لكن أعماله تعود إلى الحركة.
وبعد أكثر من عشرين عامًا على رحيله، يبدو حسين شريف حاضرًا من جديد بالطريقة التي ربما كان سيفضلها: ليس داخل سيرة مكتوبة فقط، وإنما على الشاشة، حيث تتحرك الصورة ويبدأ الحوار مرة أخرى.
المصادر:
- Institute of Contemporary Arts – London، برنامج حسين شريف الاستعادي، سبتمبر 2026.
- King’s College London، مشروع أرشيف حسين شريف.
- Barjeel Art Foundation، السيرة الفنية لحسين شريف.
- Hussein Shariffe Foundation، أرشيف الفنان وأعماله.