وترٌ من السودان إلى اليونسكو.. العود يروي قرنًا من الموسيقى

بواسطة فريق تحرير الجديان نت 6 دقيقة قراءة

العود السوداني يقف في 2026 أمام محطة دولية جديدة، بعدما أصبح السودان واحدًا من 16 بلدًا مشاركًا في ملف ترشيح آلة العود ومهارات صناعتها والعزف عليها وفنون أدائها إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية في اليونسكو. ورغم أن الملف ما يزال قيد الدراسة ولم يحصل بعد على الإدراج النهائي، فإن مجرد وجود السودان فيه يعيد الضوء إلى آلة تركت أثرًا عميقًا في تشكيل الأغنية الحديثة بالبلاد.

الملف يحمل عنوان “آلة العود: الممارسات والمهارات وفنون الأداء”، وتشارك فيه إلى جانب السودان دول عربية من بينها العراق ومصر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن وفلسطين والمغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وعُمان وقطر واليمن.

لكن قصة السودان مع العود ليست نسخة مطابقة لتجارب هذه البلدان.

فالآلة التي عرفت تاريخًا طويلًا في الموسيقى العربية وجدت داخل السودان بيئة موسيقية مختلفة، قائمة بدرجة كبيرة على السلم الخماسي والإيقاعات المحلية المتنوعة، ثم أعيد تطويع العود ليصبح جزءًا من صوت سوداني يمكن تمييزه منذ النغمات الأولى.

عندما دخل العود إلى الأغنية السودانية

يصعب اختزال تاريخ دخول العود إلى السودان في تاريخ واحد متفق عليه تمامًا، لكن الدراسات الموسيقية تشير إلى أن حضوره أصبح واضحًا خلال العقود الأولى من القرن العشرين، قبل أن يتسع استخدامه مع تطور الأغنية الحضرية وظهور الإذاعة وانتقال الموسيقى السودانية من الأداء الصوتي والإيقاعي البسيط إلى التوزيع باستخدام آلات متعددة.

وفي تلك المرحلة لم يكن إدخال العود مجرد إضافة آلة جديدة إلى الفرقة.

التحدي الأهم كان: كيف يمكن لآلة مرتبطة بتقاليد لحنية عربية واسعة أن تتحدث بلسان الموسيقى السودانية؟

الإجابة جاءت من الموسيقيين أنفسهم.

جرى توظيف العود داخل البناء الخماسي الذي يميز مساحة كبيرة من الغناء السوداني، وأصبحت طريقة العزف والجمل اللحنية مختلفة عن كثير من المدارس الأخرى.

وهكذا لم يبتلع العود شخصية الأغنية السودانية، بل تغير هو نفسه عندما دخلها.

من الحقيبة إلى الفرقة الحديثة

الأغنية السودانية الحديثة مرت بتحولات متتابعة.

في مرحلة الحقيبة، كان الصوت البشري والإيقاع والكورس يحتلون مساحة أساسية، قبل أن تتوسع التكوينات الموسيقية تدريجيًا وتدخل آلات مثل العود والكمان ثم الأكورديون وآلات النفخ والغيتار وغيرها.

ومع تأسيس الإذاعة وانتشار التسجيلات والحفلات، أصبح العود رفيقًا لعدد كبير من الملحنين والمطربين والعازفين.

ولم يعد حضوره مقتصرًا على المصاحبة.

في كثير من الأعمال أصبح العود وسيلة للتلحين، ولصياغة المقدمات الموسيقية، وللانتقال بين الجمل، وأحيانًا للحوار المباشر مع صوت المغني.

هذه العلاقة هي التي منحت الآلة مكانًا خاصًا في ذاكرة المستمع السوداني.

يمكن لمستمع أن يتعرف على أغنية من مقدمة قصيرة يعزفها العود قبل أن يسمع أول كلمة.

السودانيون أعادوا تشكيل صوت الآلة

ما يجعل تجربة العود في السودان جديرة بالتوثيق ليس وجود الآلة وحده، وإنما الطريقة التي أعاد بها الموسيقيون توظيفها.

تشير الكتابات المتخصصة في الموسيقى السودانية إلى اهتمام واضح بتكييف العود العربي مع النغمة الخماسية، وهي من السمات الأكثر حضورًا في عدد كبير من الألحان السودانية.

هذا التكييف أنتج أساليب في العزف والجمل الموسيقية لا يمكن فصلها عن البيئة التي نشأت فيها.

فالآلة الواحدة تستطيع أن تتغير هويتها الفنية باختلاف المجتمع الذي يستخدمها.

والعود الذي يعزف مقامًا في العراق أو مصر ليس بالضرورة هو العود نفسه عندما يمسك به موسيقي سوداني ويبني جملة خماسية مرتبطة بإيقاع ولهجة ومزاج محلي.

وهنا تظهر أهمية التراث الموسيقي غير المادي.

التراث ليس الخشب والأوتار فقط.

التراث هو المعرفة الموجودة في يد العازف: كيف يضرب الريشة، وكيف يبني الجملة، وكيف يرافق المغني، وكيف ينتقل هذا الأسلوب إلى طالب جديد.

ماذا يعني ملف اليونسكو؟

القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لا تختص بالآثار والمباني القديمة، بل بالممارسات والمعارف والمهارات التي تنتقل بين الأجيال وتظل حية داخل المجتمعات.

ولهذا فإن ملف العود لا يقدم الآلة باعتبارها قطعة موسيقية محفوظة في متحف.

الترشيح يتناول الممارسات المرتبطة بها، ومهارات صناعتها والعزف عليها، وفنون الأداء، والطريقة التي تنتقل بها هذه المعارف من جيل إلى آخر.

وتظهر سجلات اليونسكو أن ملف 2026 يحمل الرقم 02245، وهو ملف مشترك بين 16 دولة بينها السودان.

كما توضح المنظمة أن الملف ما يزال ضمن ملفات دورة 2026 قيد المعالجة.

أي أن الحديث حتى الآن عن ترشيح رسمي، وليس عن إعلان تسجيل نهائي.

وهذا التفصيل مهم حتى لا يتحول الاحتفاء بالفكرة إلى معلومة غير دقيقة.

السودان يدخل الملف من باب خبرته الخاصة

مشاركة هذا العدد من الدول في ملف واحد تؤكد أن العود تراث مشترك عبر مساحة جغرافية واسعة.

لكن الملفات المشتركة لا تعني أن جميع المجتمعات تعزف بالطريقة نفسها.

العكس هو الأهم.

قيمة الملف تأتي من وجود آلة واحدة تحمل داخل كل بلد ذاكرة مختلفة.

وفي السودان ترتبط تلك الذاكرة بمراحل من تطور الغناء الحديث، وبإذاعة أم درمان، وبالملحنين والعازفين، وبالانتقال من أنماط الأداء القديمة إلى الفرق الموسيقية الحديثة.

كما ترتبط بمشهد ثقافي أوسع يمتد بين الغناء الحضري والموسيقى الإقليمية وتجارب الفنانين الذين استخدموا العود في أعمال سودانية ذات بناء لحني وإيقاعي خاص.

لذلك فإن مساهمة السودان في الملف لا تقول إن العود “سوداني المنشأ”.

بل تقول شيئًا أدق وأقوى: السودان واحد من المجتمعات التي أخذت هذه الآلة وأنتجت بها تجربة موسيقية لها شخصيتها الخاصة.

آلة صمدت أمام تغير التكنولوجيا

مر عالم الموسيقى خلال عقود قليلة بتحولات ضخمة.

دخلت الآلات الكهربائية، ثم أجهزة التسجيل الرقمية، ثم البرمجيات التي تسمح اليوم لموسيقي واحد ببناء عمل كامل داخل حاسوب.

ومع ذلك لم يختف العود.

بل عاد في أحيان كثيرة إلى الواجهة بوصفه صوتًا يمنح الأغنية شخصية يصعب تقليدها إلكترونيًا.

هذا الاستمرار هو أحد الأسباب التي تجعل الحديث عن نقل مهارات العزف والصناعة مهمًا.

فالآلة يمكن شراؤها، لكن المدرسة الفنية لا تُشترى.

إذا انقطع انتقال الخبرة من العازف إلى الطالب، أو اختفى صانع الآلة الذي يعرف اختيار الأخشاب وتركيب الأوتار وضبط الصوت، يمكن أن يبقى شكل العود بينما تختفي أجزاء من المعرفة المرتبطة به.

الفن السوداني بعد التشتت

أصبحت مسألة استمرار النشاط الفني أكثر أهمية خلال السنوات الأخيرة مع تضرر مساحات ثقافية وانتقال عدد من الفنانين والموسيقيين إلى مدن ودول مختلفة.

وثقت اليونسكو خلال السنوات الماضية التحديات التي واجهها الفنانون السودانيون والمساحات الثقافية، كما دعمت مبادرات وفرت أماكن للعمل والتدريب والعروض لفنانين سودانيين، من بينها نشاط ثقافي في بورتسودان استفاد منه عشرات الفنانين.

لكن انتقال الفنان لا يعني بالضرورة انتقال كل البيئة التي صنعت تجربته.

الاستوديوهات، والمعاهد، والمسارح، وفرق العزف، والمعلمون، وأماكن التدريب كلها أجزاء من النظام الذي يصنع الموسيقى.

ولهذا يصبح توثيق المدارس والأساليب والتسجيلات والخبرات الفردية جزءًا من حماية الفن نفسه.

فرصة لتعليم جيل جديد

الترشيح لدى اليونسكو يمكن أن يكون مناسبة للنظر إلى المستقبل بقدر ما هو احتفاء بالماضي.

السؤال الأهم ليس فقط: من كانوا كبار عازفي العود السوداني؟

بل: من يتعلم العزف الآن؟

وجود برامج تعليمية، وأرشيف للتسجيلات، ومناهج تحفظ الأساليب السودانية، وورش لصناعة وصيانة الآلة يمكن أن يكون أكثر قيمة على المدى الطويل من أي احتفال مؤقت.

كما تستطيع المنصات الرقمية أن تمنح موسيقيًا سودانيًا شابًا فرصة لمشاهدة عازف قديم ودراسة طريقته بطريقة لم تكن ممكنة قبل عقود.

التقنية هنا ليست خصمًا للآلة التقليدية.

قد تصبح وسيلة لإنقاذ المعرفة المرتبطة بها.

أكثر من ستة أوتار

السودان لديه بالفعل ستة عناصر مرتبطة به مدرجة لدى اليونسكو في مجال التراث الثقافي غير المادي، من بينها الجرتق والحناء واحتفالات المولد والخط العربي وممارسات أخرى مشتركة مع دول المنطقة.

والعود موجود الآن ضمن ملفات 2026 التي تنتظر استكمال إجراءاتها.

لكن القيمة الحقيقية لا تبدأ أو تنتهي عند إدراج اسم جديد في قائمة دولية.

إذا حصل الملف على التسجيل، ستكون المسؤولية الأكبر هي الحفاظ على الممارسة نفسها: الفنان، والعازف، والصانع، والمدرس، والطالب، والتسجيل، والمسرح.

فالعود السوداني لم يصبح جزءًا من الذاكرة لأنه آلة قديمة.

أصبح كذلك لأن أجيالًا متعاقبة أمسكت بالأوتار نفسها، ثم جعلت منها في كل مرة صوتًا سودانيًا جديدًا.

وربما تكون هذه هي الحكاية التي تستحق أن تصل إلى العالم: آلة مشتركة بين شعوب كثيرة، لكن السودان عندما عزف عليها ترك فوق أوتارها بصمته الخاصة.