رعاية الكنغر في السودان تدخل خلال 2026 مرحلة أكثر تنظيمًا داخل عدد من المستشفيات، بعد استكمال برنامج تدريبي امتد ستة أشهر وشمل كوادر في 13 مستشفى، في محاولة لتحسين فرص الرعاية للمواليد الخدج وناقصي الوزن. وبينما تبدو الفكرة في ظاهرها بسيطة، إذ يبقى الطفل ملاصقًا لجسد أمه لفترات طويلة، فإنها أصبحت جزءًا معترفًا به عالميًا من الرعاية الطبية الحديثة للمواليد الصغار والمرضى.
وبحسب أحدث تقرير نصف سنوي لليونيسف عن السودان، أُنجز البرنامج بالتعاون مع جامعة بريتوريا، فيما بدأت أربع منشآت صحية بالفعل تقديم رعاية الكنغر بصورة مستمرة.
كما جرى تحديث بروتوكولات وأدلة عملية تتعلق بالرضاعة الطبيعية ورعاية المواليد الخدج وتغذية الأطفال، في خطوة تستهدف تحسين نوعية الرعاية داخل أقسام حديثي الولادة.
القصة هنا لا تتعلق باستبدال الأجهزة الطبية بحضن الأم.
بل بكيفية دمج واحدة من أبسط الممارسات الإنسانية داخل نظام علاجي منظم تدعمه الأدلة الطبية.
ما المقصود برعاية الكنغر؟
تعرف منظمة الصحة العالمية رعاية الكنغر بأنها رعاية مخصصة للمواليد الخدج أو منخفضي الوزن تعتمد أساسًا على التلامس المباشر والمطول بين جلد الطفل وجلد الأم، إلى جانب التغذية بحليب الأم قدر الإمكان.
ويوضع الطفل بطريقة آمنة على صدر الأم بحيث يحصل على دفئها ويظل قريبًا منها لفترات طويلة.
لكن رعاية الكنغر ليست مجرد حمل الطفل.
هناك متابعة لحالة المولود، وطريقة محددة لوضعه، وإرشادات تتعلق بالتنفس والرضاعة ومراقبة العلامات التي تستدعي التدخل الطبي.
وتوصي الإرشادات الحديثة لمنظمة الصحة العالمية ببدء هذه الرعاية في أقرب وقت ممكن بعد الولادة للمواليد الخدج أو ناقصي الوزن، مع توفير الدعم الطبي المناسب بحسب حالة كل طفل.
ولهذا فإن التطبيق داخل المستشفى يحتاج إلى ممرضين وأطباء وقابلات مدربين، وليس إلى الأسرة وحدها.
لماذا يحتاج الطفل الخديج إلى عناية مختلفة؟
الولادة المبكرة تعني أن الطفل يصل إلى العالم قبل أن تكتمل بعض وظائف جسمه بالصورة المتوقعة.
وقد يجد بعض المواليد صعوبة في الاحتفاظ بدرجة حرارة الجسم أو الرضاعة أو التنفس بصورة مستقرة، كما يكونون أكثر عرضة لبعض أنواع العدوى والمضاعفات.
ويواجه الأطفال منخفضو الوزن تحديات مشابهة حتى عندما لا يولدون مبكرًا جدًا.
لهذا ظلت وحدات حديثي الولادة تعتمد على الحاضنات وأجهزة التدفئة والمراقبة وغيرها من التقنيات الطبية.
هذه المعدات ما تزال شديدة الأهمية ولا يمكن الاستغناء عنها عندما يحتاج الطفل إليها.
لكن الدراسات التي استندت إليها منظمة الصحة العالمية أظهرت أن إبقاء الطفل قريبًا من الأم والتلامس المباشر والمستمر يمكن أن يكون جزءًا فعالًا من الرعاية، وليس مجرد إضافة عاطفية.
حرارة الجسم من الأم مباشرة
واحدة من أبسط فوائد رعاية الكنغر هي مساعدة الطفل على الحفاظ على درجة حرارة مناسبة.
الأطفال الخدج وناقصو الوزن يفقدون الحرارة بسهولة أكبر بسبب صغر أجسامهم وعدم اكتمال قدرتهم على تنظيم درجة الحرارة.
عندما يكون الطفل ملاصقًا لصدر الأم، يساعد جسمها في توفير بيئة دافئة ومستقرة.
لكن الأثر لا يتوقف هنا.
القرب المستمر يسهل كذلك الرضاعة الطبيعية ومراقبة الطفل، ويسمح للأم بالتعرف بصورة أسرع على تغيرات سلوكه أو رضاعته.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن رعاية الكنغر يمكن أن تقلل المرض والوفيات بين المواليد منخفضي الوزن، كما تدعم الرضاعة الطبيعية.
ولهذا أصبحت الممارسة جزءًا أساسيًا من توصيات رعاية المواليد الصغار والمرضى عالميًا.
ستة أشهر من التدريب في السودان
الجديد خلال 2026 هو محاولة تحويل هذه المعرفة إلى ممارسة أكثر انتظامًا داخل المستشفيات السودانية.
تقول اليونيسف إنها أكملت، بالتعاون مع جامعة بريتوريا، برنامجًا تدريبيًا استمر ستة أشهر وشمل 13 مستشفى.
ولم يقتصر التدريب على شرح مفهوم رعاية الكنغر.
التقرير يشير كذلك إلى تطوير بروتوكولات سريرية وأدوات عملية تتعلق بالرضاعة الطبيعية ورعاية الأطفال المولودين قبل الأوان وممارسات تغذية الرضع.
وبحلول منتصف العام، كانت أربع منشآت تقدم بالفعل رعاية الكنغر المستمرة.
هذه النقطة مهمة؛ لأن الفرق بين المعرفة النظرية والتطبيق داخل المستشفى كبير.
لكي تستطيع الأم البقاء مع طفلها لساعات طويلة، يحتاج القسم نفسه إلى مساحة مناسبة وسياسة تسمح بقرب الأم من المولود، إضافة إلى فريق يعرف متى تبدأ الرعاية وكيف يراقب الطفل خلالها.
أهمية أكبر في نظام صحي تحت الضغط
تأتي هذه الخطوة في وقت يعمل فيه القطاع الصحي السوداني تحت ظروف شديدة الصعوبة.
أحدث تقييم لنظام مراقبة توافر الموارد والخدمات الصحية التابع لمنظمة الصحة العالمية شمل 4,809 نقاط لتقديم الخدمات الصحية في أنحاء البلاد، بهدف تحديد المنشآت العاملة والخدمات المتاحة والعوائق أمام تقديم الرعاية.
كما قالت منظمة الصحة العالمية في أبريل إن 37% من المرافق الصحية في السودان كانت غير عاملة، مع تفاوت كبير بين المناطق.
في مثل هذه البيئة، تصبح التدخلات الصحية التي تعتمد على التدريب الجيد ويمكن تطبيقها بتكلفة معقولة ذات أهمية خاصة.
لكن من الخطأ اعتبار رعاية الكنغر حلًا لمشكلة نقص الحاضنات أو الأجهزة أو الأدوية.
فالطفل الذي يحتاج إلى أكسجين أو علاج للعدوى أو دعم للتنفس أو رعاية مركزة يظل بحاجة إلى تلك الخدمات.
رعاية الكنغر تعمل داخل منظومة الرعاية الطبية، لا بدلًا عنها.
الأم تتحول إلى جزء من فريق الرعاية
من أكثر التغييرات التي أحدثتها هذه الممارسة عالميًا أنها أعادت تعريف دور الأسرة داخل وحدة حديثي الولادة.
في النموذج التقليدي، يمكن أن تقضي الأم فترات طويلة بعيدًا عن طفلها الموجود داخل الحاضنة، بينما يتولى الفريق الطبي معظم تفاصيل الرعاية.
أما نموذج رعاية الكنغر فيضع الأم في قلب العملية عندما تسمح حالة الطفل بذلك.
وهذا لا يعني تحميلها مسؤولية طبية.
بل يجعل قربها من الطفل جزءًا من الخطة العلاجية، مع استمرار الإشراف بواسطة الكوادر الصحية.
وتشير إرشادات منظمة الصحة العالمية أيضًا إلى أهمية تدريب الأسر قبل الخروج من المستشفى حتى يمكن استمرار الرعاية المناسبة في المنزل عندما يقرر الفريق الطبي أن ذلك آمن.
الرضاعة جزء أساسي وليست تفصيلًا
لا تنفصل رعاية الكنغر عن دعم الرضاعة بحليب الأم.
المولود الخديج قد يواجه أحيانًا صعوبة في الرضاعة بالصورة المعتادة، ولهذا تحتاج الأم إلى دعم من الممرضين والأطباء لاختيار الطريقة المناسبة حسب حالة الطفل.
القرب المستمر يمكن أن يساعد في تعزيز إنتاج الحليب وتسهيل عملية التغذية.
وفي البرنامج السوداني الأخير، كان تحديث الإرشادات الخاصة بالرضاعة وتغذية المواليد جزءًا واضحًا من عملية تحسين الرعاية.
وهذه نقطة مهمة لأن نجاح البرنامج لا يقاس بعدد الساعات التي يقضيها الطفل على صدر أمه فقط، بل بمجموعة كاملة من عناصر الرعاية تشمل التغذية والدفء ومراقبة الحالة والنمو والمتابعة بعد الخروج.
ليست كل حالة متشابهة
من المهم للأسر عدم تطبيق رعاية المواليد الخدج اعتمادًا على معلومات عامة من الإنترنت وحدها.
حالة كل مولود تختلف عن الآخر.
بعض الأطفال يحتاجون إلى مراقبة مكثفة، وبعضهم يحتاج إلى دعم للتنفس أو أدوية أو إجراءات أخرى تحددها الكوادر الصحية.
لذلك فإن تحديد متى وكيف تبدأ رعاية الكنغر ومقدار الوقت المناسب يجب أن يتم بالتنسيق مع الفريق الصحي المسؤول عن الطفل.
منظمة الصحة العالمية نفسها تقدم إرشاداتها باعتبارها جزءًا من منظومة رعاية سريرية متكاملة.
وهذا ما يجعل تدريب العاملين الصحيين عنصرًا محوريًا في المشروع السوداني.
من أربعة مستشفيات إلى نظام أوسع
الرقم الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة ليس فقط عدد المستشفيات الثلاثة عشر التي شاركت في التدريب، بل عدد المنشآت التي ستنجح في تحويل التدريب إلى خدمة مستمرة.
أربع منشآت كانت قد بدأت تقديم رعاية الكنغر المستمرة بحلول منتصف 2026.
السؤال الآن هو ما إذا كانت التجربة ستتوسع إلى بقية المستشفيات المشاركة، ثم إلى منشآت أخرى في الولايات.
نجاح التوسع يحتاج إلى كوادر مدربة ومساحات مناسبة واستمرار توفر الرعاية الطبية الأساسية، إلى جانب متابعة النتائج الفعلية للمواليد.
وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح البرنامج نموذجًا لكيفية تحسين جانب حساس من الخدمات الصحية دون الاعتماد على التقنية وحدها.
أحيانًا تبدأ الرعاية بشيء بسيط
الطب الحديث مرتبط في أذهان كثيرين بالأجهزة والشاشات والأدوية المعقدة، وهذه الأدوات أنقذت ولا تزال تنقذ أعدادًا لا تحصى من الأطفال.
لكن رعاية الكنغر تقدم صورة مختلفة ومكملة.
تقنية طبية موصى بها عالميًا يمكن أن تبدأ من شيء فطري للغاية: أن يبقى الطفل قريبًا من أمه.
ما يحول هذا القرب من تصرف طبيعي إلى رعاية صحية فعالة هو التدريب، والمتابعة، والرضاعة المناسبة، ومعرفة احتياجات الطفل وحدود الممارسة.
وفي السودان، حيث تحاول المستشفيات استعادة وتحسين خدماتها وسط ضغوط كبيرة، فإن تدريب 13 مستشفى يمثل خطوة صغيرة مقارنة بحجم الاحتياج، لكنها تفتح بابًا مهمًا.
فبالنسبة إلى مولود لا يتجاوز وزنه بضعة كيلوجرامات، قد تكون التفاصيل الصغيرة هي الأكثر أهمية في أيامه الأولى.
المصادر:
- اليونيسف، التقرير الإنساني نصف السنوي للسودان 2026.
- منظمة الصحة العالمية، الدليل السريري لرعاية الكنغر 2025.
- منظمة الصحة العالمية، نظام HeRAMS للخدمات الصحية في السودان 2026.
- بيانات اليونيسف الخاصة بصحة وبقاء الأطفال في السودان.