تطعيم الأطفال في السودان بدأ يستعيد جزءًا مهمًا من المساحة التي فقدها خلال سنوات الاضطراب، في تطور صحي لافت تكشفه أحدث البيانات الدولية. فبعد وصول معدلات التحصين إلى مستويات متدنية بصورة حادة، سجلت المؤشرات خلال 2025 تحسنًا واضحًا، ما يعني أن عددًا أكبر من الأطفال أصبح يصل من جديد إلى اللقاحات الأساسية التي تحميهم من أمراض يمكن الوقاية منها.
التحسن لا يعني أن الأزمة انتهت، ولا أن كل طفل أصبح قادرًا على الوصول إلى مركز صحي بسهولة، لكنه يكشف أن برنامج التحصين الروتيني بدأ يتحرك في الاتجاه الصحيح رغم التحديات التي ما تزال تواجه القطاع الصحي في البلاد.
وبحسب بيانات نشرتها اليونيسف في سبتمبر 2026، ارتفعت تغطية الجرعة الثالثة من اللقاح المضاد للخناق والكزاز والسعال الديكي “DTP3” من 39% في عام 2024 إلى 71% خلال 2025.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت تغطية الجرعة الأولى من لقاح الحصبة من 46% إلى 68%.
وراء هذه الأرقام قصة أكبر من مجرد حملة تطعيم.
إنها قصة إعادة وصول خدمة صحية أساسية إلى أسر ومناطق فقد كثير منها انتظام الخدمات الطبية خلال السنوات الماضية.
لماذا يعتبر DTP3 رقمًا مهمًا؟
في برامج الصحة العامة، لا يستخدم لقاح DTP3 فقط لمعرفة عدد الأطفال الذين حصلوا على حماية من ثلاثة أمراض خطرة.
تستخدمه منظمة الصحة العالمية واليونيسف كذلك بوصفه واحدًا من المؤشرات المهمة لقياس قدرة النظام الصحي على إيصال الطفل إلى سلسلة التطعيمات الروتينية وإكمال الجرعات المطلوبة.
الطفل الذي يحصل على الجرعة الثالثة لم يصل إلى الخدمة مرة واحدة فقط، بل تمكن غالبًا من العودة إلى المركز الصحي ومتابعة جدول التطعيم.
ولهذا فإن انتقال التغطية في السودان من 39% إلى 71% خلال عام يمثل تحسنًا مهمًا في الوصول إلى الخدمات.
لكن الرقم نفسه يكشف أيضًا حجم المسافة التي ما تزال قائمة.
فمتوسط التغطية العالمي بالجرعة الثالثة من DTP بلغ 85% خلال 2025، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف.
السودان إذن يتعافى، لكنه لم يصل بعد إلى المستوى الذي يجعل الوصول إلى التطعيم منتظمًا لمعظم الأطفال في جميع أنحاء البلاد.
من أدنى المستويات إلى بداية التعافي
لفهم أهمية التحسن الحالي، يجب العودة قليلًا إلى الوراء.
في يوليو 2025، قالت اليونيسف إن معدلات تطعيم الأطفال في السودان هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ ما يقارب أربعة عقود.
وكانت البيانات تشير حينها إلى أن تغطية الجرعة الأولى من لقاح DTP انخفضت من 94% في 2022 إلى 48% فقط في 2024.
كما قدرت المنظمة أن ما لا يقل عن 880 ألف رضيع كان يفترض أن يحصلوا على الجرعة الأولى خلال 2024 لم يحصلوا عليها.
ذلك التراجع لم يكن مجرد رقم صحي.
عندما تنخفض معدلات التطعيم، تتسع الفجوات المناعية داخل المجتمع ويصبح عدد أكبر من الأطفال معرضًا للإصابة بأمراض كان من الممكن الوقاية منها.
وهذا ما يجعل الارتفاع الذي ظهر في بيانات 2025 مهمًا: فهو يشير إلى بدء استعادة ما فقده برنامج التحصين، وليس مجرد تحسن محدود في مؤشر واحد.
ملايين الجرعات تتحرك عبر البلاد
إعادة بناء برنامج التطعيم في السودان لم تعتمد فقط على فتح المراكز الصحية التقليدية.
التحدي الجغرافي والوصول إلى المناطق البعيدة تطلبا تحريك كميات كبيرة من اللقاحات عبر طرق مختلفة، بعضها عابر للحدود.
وفي أحدث تقرير لليونيسف عن يوليو 2026، قالت المنظمة إن أكثر من ثلاثة ملايين جرعة لقاح تم نقلها عبر عمليات عابرة للحدود إلى مناطق يصعب الوصول إليها في دارفور وكردفان.
وخلال النصف الأول من 2026، دعمت اليونيسف إدخال أكثر من 42 مليون جرعة لقاح إلى منظومة الإمداد، إلى جانب توزيع أكثر من 19 مليون جرعة داخل البلاد.
الأمر هنا لا يتعلق باللقاح نفسه فقط.
كل جرعة تحتاج إلى سلسلة كاملة حتى تصل إلى الطفل: نقل مناسب، وتخزين بدرجات حرارة محددة، وثلاجات ومجمدات، ومراقبة للحرارة، ووقود، وعاملين صحيين مدربين.
ولهذا يصبح نجاح حملة التطعيم اختبارًا للبنية الصحية التي تعمل خلفها.
الحصبة تكشف فجوات التحصين سريعًا
من بين الأمراض التي يكتسب فيها رفع معدلات التطعيم أهمية خاصة تأتي الحصبة.
الحصبة مرض شديد العدوى، ولهذا تستخدم معدلات الإصابة به في كثير من الأحيان كمؤشر مبكر يكشف وجود فجوات في التحصين داخل المجتمع.
وعندما لا يحصل عدد كافٍ من الأطفال على اللقاح، تستطيع العدوى العثور سريعًا على مجموعات غير محمية.
ارتفاع تغطية الجرعة الأولى من لقاح الحصبة في السودان من 46% إلى 68% خلال عام واحد يمثل لذلك تقدمًا مهمًا.
لكن الوصول إلى مستوى أعلى يظل ضروريًا، خصوصًا أن الأطفال الذين يتنقلون بين مناطق مختلفة أو يعيشون بعيدًا عن المرافق الصحية قد يكونون أكثر عرضة لفقدان موعد جرعة أو أكثر.
ولهذا لا يكفي أن تصل الحملات إلى المدن الرئيسية؛ القيمة الحقيقية تظهر عندما تصل الخدمة إلى الطفل الذي يصعب الوصول إليه.
الحملات الكبيرة تعيد سد الفجوات
بالتوازي مع التطعيم الروتيني، استمرت حملات واسعة تستهدف أمراضًا محددة.
وخلال النصف الأول من 2026، أفادت اليونيسف بأن حملات تعويضية ضد الحصبة والحصبة الألمانية في دارفور وكردفان وصلت إلى أكثر من 3.8 ملايين طفل.
كما تلقى نحو 4.6 ملايين طفل دون سن الخامسة لقاحات شلل الأطفال في سبع ولايات ضمن حملات نُفذت خلال الفترة نفسها.
وهذه الحملات تؤدي وظيفة مختلفة قليلًا عن برنامج التطعيم الروتيني.
فالبرنامج الروتيني يحاول أن يضمن حصول كل طفل على لقاحاته في مواعيدها، بينما تساعد الحملات الواسعة على الوصول إلى الأطفال الذين فاتتهم الجرعات أو يعيشون في مناطق شهدت انقطاعًا في الخدمات.
لكن الاعتماد الدائم على الحملات وحدها ليس الحل المثالي.
النظام الأقوى صحيًا هو الذي يستطيع الحفاظ على التطعيم الروتيني طوال العام، بحيث تصبح الحملات أداة إضافية وليست الطريقة الأساسية للوصول إلى الأطفال.
لقاح الملاريا يضيف أداة جديدة
شهد السودان كذلك خلال السنوات الأخيرة إضافة مهمة إلى برنامج تحصين الأطفال عندما أصبح أول بلد في إقليم منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط يدخل لقاح الملاريا.
بدأ إدخال اللقاح في نوفمبر 2024 من عدد من المحليات في القضارف والنيل الأزرق، على أن يتوسع تدريجيًا إلى مناطق أخرى.
وتوصي منظمة الصحة العالمية باستخدام لقاحات الملاريا للأطفال الذين يعيشون في المناطق التي ينتشر فيها المرض بمستويات متوسطة أو مرتفعة، ضمن حزمة متكاملة من وسائل الوقاية.
وهذا التفصيل مهم.
لقاح الملاريا ليس بديلًا عن الناموسيات المعالجة بالمبيدات أو مكافحة أماكن تكاثر البعوض أو التشخيص والعلاج المبكر.
إنه أداة جديدة تضاف إلى الأدوات الموجودة.
وبالنسبة للسودان، حيث تمثل الملاريا عبئًا صحيًا مستمرًا في عدد من الولايات، فإن إدخال اللقاح إلى برنامج التحصين يمنح النظام الصحي وسيلة إضافية لحماية الأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.
الثلاجة جزء من منظومة التطعيم
قد يرى المواطن ممرضًا يعطي الطفل جرعة صغيرة، لكن خلف تلك اللحظة منظومة لوجستية معقدة.
اللقاحات تحتاج إلى ما يعرف بالسلسلة الباردة، وهي سلسلة من أجهزة التخزين والنقل التي تحافظ على اللقاح ضمن درجات الحرارة المطلوبة منذ وصوله وحتى استخدامه.
ولهذا تضمنت جهود استعادة التطعيم في السودان توفير ثلاجات ومجمدات وغرف تبريد وأجهزة لمراقبة الحرارة، إضافة إلى الوقود اللازم لتشغيل مرافق التخزين.
وفي بلد تعاني فيه بعض المناطق عدم استقرار الكهرباء وصعوبة النقل، يصبح الحفاظ على هذه السلسلة تحديًا بحد ذاته.
نجاح برنامج التحصين لذلك لا يعتمد فقط على وجود الجرعات في مخزن مركزي، وإنما على قدرتها على الوصول سليمة إلى نقطة التطعيم الأخيرة.
ماذا يعني هذا للأسر؟
التحسن في المعدلات الوطنية خبر جيد، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم لكل أسرة: هل حصل الطفل على جميع الجرعات المطلوبة وفق الجدول المعتمد؟
قد يحصل الطفل على جرعة ويغيب عن أخرى بسبب الانتقال أو السفر أو توقف مركز صحي أو فقدان بطاقة التطعيم.
ولهذا تظل متابعة سجل التطعيم مع المرافق الصحية المعتمدة مهمة، خصوصًا للأطفال الذين انقطعوا عن الخدمات لفترة.
ولا ينبغي للأسر أن تفترض أن فوات موعد سابق يعني ضياع فرصة استكمال التطعيم.
تحدد البرامج الصحية جداول الاستدراك وفق عمر الطفل والجرعات التي حصل عليها بالفعل، ويجب تحديدها بواسطة الكوادر الصحية المختصة.
الرقم القادم هو الأهم
انتقال تغطية DTP3 من 39% إلى 71% خلال عام يعطي سببًا حقيقيًا للتفاؤل، لكنه لا يمثل نهاية الطريق.
التحدي الآن هو الحفاظ على هذا الارتفاع وتوسيعه ليشمل المناطق التي ما تزال خارج نطاق الخدمة المنتظمة.
فالمقياس الحقيقي لنجاح التطعيم ليس عدد الجرعات الموجودة في المخازن ولا عدد الحملات المعلنة، وإنما عدد الأطفال الذين يكملون جرعاتهم ويحصلون على الحماية في الوقت المناسب.
والتجربة السودانية خلال العامين الماضيين تكشف شيئًا مهمًا: حتى النظام الصحي الذي تعرض لضغط شديد يستطيع استعادة جزء من خدماته عندما تعود الإمدادات، وتعمل سلاسل التبريد، وتتحرك الفرق الصحية، ويصبح الوصول إلى المجتمعات ممكنًا.
وراء كل نقطة مئوية ترتفع في جدول التغطية أطفال حقيقيون أصبحوا أقرب إلى الحماية.
ولهذا فإن قصة عودة التطعيم في السودان ليست قصة أرقام فقط.
إنها واحدة من المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس عودة الخدمات الصحية الأساسية نفسها.