حين تعود الذاكرة إلى المسرح.. الخرطوم تحتفي بتراث السودان الحي

بواسطة فريق تحرير الجديان نت 5 دقيقة قراءة

التراث السوداني عاد إلى قلب الخرطوم صباح اليوم بصورة لا تعتمد على القطع القديمة المحفوظة خلف الزجاج، بل على الموسيقى والحركة والملابس والحكايات والعادات التي ما تزال تعيش وسط الناس. افتتاح مهرجان التراث القومي بقصر الشباب والأطفال أعاد طرح سؤال يتجاوز المناسبة نفسها: كيف يحافظ السودان على تنوعه الثقافي الهائل ويضمن انتقاله من جيل إلى آخر؟

افتتح المهرجان صباح الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 بقصر الشباب والأطفال، بمشاركة مسؤولين ومهتمين بالثقافة والتراث والشباب، وظهرت في برنامجه عروض فلكلورية وفقرات تراثية ومجموعات تعكس جانبًا من الموروث الشعبي السوداني.

وكانت الترتيبات المعلنة للمهرجان قد شملت كذلك معارض وندوات وعروضًا للفرق التراثية، على أن تستمر الفعاليات حتى الخميس.

لكن أهمية الحدث لا تتوقف عند برنامج يمتد لعدة أيام.

في بلد تتجاور داخله مئات العادات واللهجات والإيقاعات والأزياء وأساليب الاحتفال، يصبح جمع عناصر التراث في مساحة واحدة محاولة لرؤية السودان من خلال تنوعه الاجتماعي، لا من خلال خريطة جغرافية فقط.

التراث الذي يعيش بين الناس

عندما تذكر كلمة التراث، يذهب التفكير سريعًا إلى الآثار والمتاحف والمباني التاريخية.

لكن جزءًا كبيرًا من تراث السودان لا يمكن وضعه داخل صندوق عرض.

هناك الأغنية الشعبية، والرقصة، والأمثال، وطرق إعداد الطعام، والعطور، والحلي، وطقوس الزواج، وأساليب الحكي، والحرف اليدوية، وطرق الاحتفال بالمواسم والمناسبات.

هذا ما يعرف بالتراث الثقافي غير المادي؛ ممارسات ومعارف تنتقل غالبًا من الآباء والأمهات والجدات إلى الأجيال التالية دون كتب أو مناهج رسمية.

والقيمة الحقيقية لهذا النوع من التراث أنه لا يعيش منفصلًا عن المجتمع.

الرقصة الشعبية لا تكون تراثًا لأنها قديمة فقط، وإنما لأنها لا تزال تؤدى. والحرفة التقليدية لا تبقى حية بمجرد تصويرها، بل عندما يواصل حرفي تعليمها لشخص آخر.

ولهذا فإن حماية التراث ليست دائمًا عملية ترميم. أحيانًا تكون عملية نقل للمعرفة.

من البحر الأحمر إلى أقصى الغرب

قلة من البلدان تستطيع تقديم لوحة تراثية متنوعة داخل حدودها مثل السودان.

على ساحل البحر الأحمر تظهر أنماط من الموسيقى والملابس والعادات مرتبطة بتاريخ المجتمعات المحلية وحركة البحر والتجارة.

وفي الشمال تحمل المجتمعات النوبية إرثًا طويلًا من اللغة والموسيقى والزخارف والطقوس الاجتماعية.

أما وسط السودان وشرقه وغربه وكردفان والنيل الأزرق، فتتعدد الإيقاعات والرقصات وأشكال الغناء والحرف والأطعمة والملابس بتعدد البيئات والمجموعات الاجتماعية.

هذه الاختلافات ليست تفاصيل هامشية.

هي المادة التي صنعت شخصية السودان الثقافية.

وقد يكون أهم ما تستطيع المهرجانات التراثية القيام به هو تقديم هذه التقاليد جنبًا إلى جنب، بحيث يتعرف السوداني على موروث منطقة أخرى داخل بلده، بدل أن يظل التراث محصورًا داخل المجتمعات التي نشأ فيها.

الجرتق.. عادة منزلية وصلت إلى العالم

ربما يقدم الجرتق أوضح مثال حديث على الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها ممارسة اجتماعية سودانية من البيوت إلى الاعتراف الدولي.

في ديسمبر 2025 أدرجت اليونسكو “الجرتق: ممارسات وطقوس وتعبيرات للحفاظ والحماية والوفرة والخصوبة في السودان” على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

والجرتق ليس مجرد زي أحمر أو جلسة تصوير مرتبطة بالأعراس كما قد يظهر أحيانًا في الصور الحديثة.

القائمة الوطنية للتراث الثقافي غير المادي في السودان تصفه بوصفه مجموعة من الطقوس والممارسات المرتبطة بعدد من مناسبات الحياة، من بينها الميلاد والختان والزواج، وتختلف بعض تفاصيله وأدواته باختلاف المناسبة والمجتمع.

في مراسم الزواج خصوصًا، تظهر الحلي والخرز والعطور والأقمشة والعناصر ذات الدلالات الرمزية، بينما تلعب النساء دورًا رئيسيًا في حفظ تفاصيل الممارسة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

وما يجعل الجرتق مهمًا من منظور التراث ليس شكل القطع المستخدمة وحده، بل المعرفة المحيطة بها: من يعدها؟ كيف ترتب؟ متى تستخدم؟ وما الذي تعنيه للأسرة والمجتمع؟

إذا اختفت هذه المعرفة، لا يكفي بقاء القطع نفسها في صندوق قديم للحفاظ على الطقس.

السودان على خريطة التراث غير المادي

الجرتق ليس العنصر السوداني الوحيد الظاهر على قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.

تظهر ضمن صفحة السودان لدى المنظمة عناصر أخرى مرتبطة به، بعضها في ملفات مشتركة مع دول عربية أخرى، مثل الخط العربي، والنخلة وما يرتبط بها من معارف ومهارات وتقاليد، وفنون النقش على المعادن، والحناء وممارساتها الجمالية والاجتماعية.

كما أدرجت احتفالات المولد النبوي في السودان ضمن القائمة التمثيلية في 2023.

وجود هذه العناصر يوضح اتساع مفهوم التراث.

فليس من الضروري أن يكون الشيء نادرًا أو موجودًا فقط في قرية بعيدة حتى يصبح ذا قيمة تراثية. بعض أقوى عناصر التراث قد تكون ممارسات يشاهدها الناس كل عام إلى درجة أنهم لا يفكرون فيها بوصفها وثائق حية للتاريخ الاجتماعي.

ماذا يحدث عندما ينقطع انتقال المعرفة؟

أكبر خطر يواجه التراث الشعبي ليس دائمًا اختفاء القطعة المادية.

الخطر يبدأ أحيانًا عندما يتوقف الجيل الجديد عن تعلم الممارسة.

إذا بقيت آلة موسيقية تقليدية موجودة، لكن لم يعد أحد يعرف صناعتها أو العزف عليها، فإن جزءًا كبيرًا من التراث يكون قد اختفى فعليًا.

وإذا بقيت الأزياء القديمة داخل المنازل، لكن ضاعت أسماء قطعها وطرق صناعتها والمناسبات التي كانت ترتدى فيها، تتحول من عناصر ثقافية حية إلى أشياء مجهولة السياق.

لذلك تتحدث اليونسكو في ملفات التراث غير المادي عن “الصون” وليس فقط الحفظ.

الصون يعني استمرار الممارسة، وتوثيقها، وتعليمها، وإتاحة الفرصة لأصحابها الأصليين للمشاركة في تحديد الطريقة التي تقدم بها.

وهنا تستطيع المدارس والجامعات والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام أن تلعب دورًا أكبر من مجرد تنظيم الاحتفالات الموسمية.

الشباب ليسوا خصمًا للتراث

هناك تصور شائع بأن التكنولوجيا والجيل الجديد يهددان الموروث الشعبي.

لكن التكنولوجيا يمكن أن تعمل في الاتجاه المعاكس أيضًا.

أغنية تراثية يؤديها شاب بصورة تحترم أصلها يمكن أن تصل إلى جمهور لم يسمع بها من قبل. وحرفية تصور خطوات صناعة منتج تقليدي تستطيع نقل معرفة كانت في الماضي تحتاج إلى وجود المتعلم داخل المنزل أو الورشة نفسها.

المشكلة لا تكمن في تحديث طريقة تقديم التراث، وإنما في فقدان الأصل أثناء التحديث.

فالتراث الحي ليس مطلوبًا منه أن يتجمد في صورة واحدة إلى الأبد.

المجتمعات تغير بعض تفاصيل ممارساتها عبر الزمن، لكن الحفاظ على المعرفة والسياق والمصدر يمنع تحول التراث إلى مجرد ديكور منزوع من قصته.

المهرجانات تبدأ القصة ولا تنهيها

مهرجان التراث القومي في الخرطوم يستطيع أن يجذب الجمهور إلى الرقصات والملابس والأعمال اليدوية والعروض الشعبية، وهذه وظيفة مهمة.

لكن المهمة الأكبر تبدأ بعد انتهاء المهرجان.

هل يوجد حصر منظم للحرفيين وحملة التقاليد؟ هل تسجل الأغاني والحكايات بأسماء أصحابها ومناطقها؟ هل توجد برامج تساعد الشباب على تعلم الحرف القديمة؟ وهل تستطيع الولايات تقديم تراثها بنفسها بدل أن يقدمه الآخرون بالنيابة عنها؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان المهرجان احتفالًا يمتد أيامًا أم بداية لعمل طويل.

ثروة لا تحتاج إلى منجم

للسودان ثروات معروفة تحت الأرض وفوقها، لكن هناك ثروة أخرى يصعب حسابها بالأرقام.

طريقة صنع سلة، إيقاع رقصة، وصفة طعام، اسم أداة زراعية، طريقة لف ثوب، حكاية شعبية أو أغنية مناسبة اجتماعية قد تبدو تفاصيل صغيرة منفردة.

لكن عندما توضع هذه التفاصيل إلى جوار بعضها، تظهر صورة شعب كامل.

افتتاح مهرجان التراث القومي اليوم يذكّر بأن حماية الهوية لا تتم فقط بحماية المواقع الأثرية القديمة، بل أيضًا بحماية الأشياء التي لا تزال تتحرك وتتغير وتعيش بين الناس.

فالتراث السوداني الحقيقي ليس شيئًا انتهى ثم ورثناه.

إنه شيء ما زال السودانيون يصنعونه كل يوم.