ذاكرة لا تضيع.. كيف يحفظ السودان تراثه في العالم الرقمي؟

بواسطة فريق تحرير الجديان نت 6 دقيقة قراءة

الأرشفة الرقمية للتراث السوداني لم تعد مشروعًا تقنيًا جانبيًا أو محاولة لتحويل الصور القديمة إلى ملفات إلكترونية. خلال السنوات الأخيرة أصبحت الرقمنة واحدة من أهم الوسائل لحماية ذاكرة السودان نفسها، في بلد يمتلك تراثًا يمتد من المخطوطات والصور العائلية إلى التسجيلات الصوتية والأفلام والقطع الأثرية والوثائق التي تحكي تفاصيل الحياة السودانية عبر أجيال طويلة.

وفي سبتمبر 2026، أعاد تقرير بحثي جديد صادر عن كلية كينغز لندن الاهتمام بتجربة “Sudan Memory”، أحد أكبر مشروعات التوثيق الرقمي للتراث السوداني، بعدما كشف أن المشروع استطاع منذ انطلاقه في 2013 رقمنة نحو 148 ألف مادة ثقافية وتاريخية.

الرقم وحده كبير، لكن أهميته الحقيقية تظهر عند النظر إلى طبيعة ما جرى توثيقه: صور فوتوغرافية، مخطوطات، قطع متحفية، تسجيلات صوتية، أفلام، ووثائق مرتبطة بتاريخ السودان الاجتماعي والثقافي، إضافة إلى نموذج تفاعلي ثلاثي الأبعاد لجزيرة سواكن التاريخية.

هنا تتجاوز الرقمنة فكرة حفظ نسخة احتياطية من الماضي، لتصبح وسيلة جديدة تسمح للسودانيين داخل البلاد وخارجها بالوصول إلى تاريخهم، حتى عندما تكون بعض المجموعات الأصلية بعيدة أو يصعب الوصول إليها.

عندما تصبح الصورة القديمة وثيقة تاريخية

كثير من الذاكرة الثقافية لا توجد داخل المتاحف وحدها.

قد توجد صورة نادرة في منزل أسرة، أو تسجيل لفنان قديم لدى أحد المهتمين، أو مجموعة صحف ومجلات في مكتبة خاصة، أو مخطوط لم يُطبع من قبل، أو فيلم وثائقي محفوظ على وسيط قديم يمكن أن يتلف مع مرور الزمن.

هذه المواد قد تبدو شخصية عند أصحابها، لكنها عند جمعها ودراستها تستطيع أن ترسم صورة أكثر اتساعًا للمجتمع السوداني.

صورة لسوق في أم درمان قبل عقود، على سبيل المثال، لا توثق الأشخاص فقط. يمكن أن تكشف شكل العمارة والملابس ووسائل النقل واللافتات التجارية وطبيعة النشاط الاقتصادي في فترة محددة.

وتسجيل صوتي قديم لا يحفظ الأغنية وحدها، بل يحفظ طريقة النطق وأسلوب الأداء والآلات المستخدمة وطبيعة التسجيل في ذلك الزمن.

لهذا ينظر المتخصصون إلى التوثيق الرقمي بوصفه عملية حفظ للسياق، لا مجرد نسخ للصورة أو الورقة.

148 ألف مادة تحكي أكثر من قصة

بحسب التقرير الذي نشرته كينغز كوليدج لندن في 7 سبتمبر، بدأ مشروع Sudan Memory منذ عام 2013 بالتعاون بين مؤسسات وخبراء سودانيين ودوليين، وأصبح أول مشروع واسع النطاق للرقمنة الجماعية للتراث في السودان.

وخلال السنوات التالية، توسعت المواد التي جمعها المشروع حتى وصلت إلى نحو 148 ألف عنصر رقمي.

وتشمل المجموعة صورًا تاريخية ومواد أرشيفية ومخطوطات وتسجيلات صوتية وأفلامًا وقطعًا متحفية، وهو تنوع مهم لأن تاريخ أي بلد لا يمكن اختزاله في الآثار القديمة وحدها.

الثقافة السودانية موجودة أيضًا في الأغنية والصورة والرسالة الشخصية والصحيفة والكتاب والحكاية الشفوية، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تجد مكانها دائمًا داخل كتب التاريخ التقليدية.

ولهذا ركز التقرير الجديد على أهمية تسجيل المعلومات المحيطة بكل مادة: من التقط الصورة؟ أين؟ متى؟ من الأشخاص الموجودون فيها؟ وما القصة المرتبطة بها؟

فالصورة التي تفقد سياقها قد تبقى جميلة، لكنها تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها التاريخية.

المتحف السوداني يدخل العالم الافتراضي

ولا تقف التجربة عند رقمنة الوثائق.

ففي أغسطس 2026 نشرت مجلة Antiquity الأكاديمية دراسة تناولت جهود الحفظ الرقمي للتراث السوداني، ومن بينها مشروع “المتحف الافتراضي السوداني”.

المشروع يتيح زيارة رقمية لأجزاء من المتحف القومي السوداني ومشاهدة نماذج لمقتنيات كانت معروضة داخله، كما يقدم جولة افتراضية مرتبطة بمقبرة جحوتي حتب التي أعيد تركيبها في حديقة المتحف خلال مشروع إنقاذ آثار النوبة.

وتتضمن التجربة نماذج ثلاثية الأبعاد لبعض القطع، بما يفتح بابًا مختلفًا تمامًا للتعامل مع المتحف.

فالزائر لم يعد مضطرًا لأن يكون موجودًا في الخرطوم حتى يتعرف على جزء من المجموعات الأثرية، كما يستطيع طالب في مدرسة أو جامعة، داخل السودان أو خارجه، استخدام المواد الرقمية في التعلم والبحث.

هذه النقطة قد تكون واحدة من أهم التحولات الثقافية التي تقدمها الرقمنة للسودان.

التراث يصل إلى جيل جديد

واحدة من المشكلات التي تواجه المؤسسات الثقافية في دول كثيرة هي المسافة المتزايدة بين الأجيال الجديدة والأرشيف التقليدي.

الشاب الذي اعتاد الوصول إلى كل شيء عبر الهاتف قد لا يذهب للبحث داخل عشرات الصناديق أو الملفات الورقية، لكنه قد يقضي ساعات في استكشاف صور تاريخية إذا كانت منظمة ومتاحة عبر منصة رقمية سهلة.

وهنا تستطيع الرقمنة أن تحول الأرشيف من مادة محفوظة للباحثين وحدهم إلى مادة حية للجمهور.

يمكن لمعلم أن يستخدم صورة تاريخية في درس، ويمكن لصانع فيلم أن يجد مادة بصرية تساعده على بناء قصة، ويستطيع باحث مقارنة صور المدن عبر فترات زمنية مختلفة، بينما يمكن لأسرة أن تكتشف تسجيلًا أو صورة مرتبطة بتاريخ منطقتها.

بهذه الطريقة يتحول الأرشيف إلى جزء من الثقافة اليومية بدل أن يبقى بعيدًا خلف أبواب المؤسسات.

سواكن مثال على ما تستطيع التقنية فعله

ومن أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام في مشروع Sudan Memory النموذج الرقمي ثلاثي الأبعاد لجزيرة سواكن التاريخية.

سواكن ليست مجرد مجموعة مبانٍ قديمة على ساحل البحر الأحمر؛ المدينة تحمل طبقات من التاريخ المرتبط بالتجارة والحج والعمارة والعلاقات بين السودان ومناطق واسعة حول البحر الأحمر.

عندما يتم توثيق المكان رقميًا، يصبح من الممكن الاحتفاظ بصورة تفصيلية لبنيته المعمارية وإتاحتها للباحثين والجمهور.

وتزداد أهمية هذا النوع من التوثيق مع المواقع التاريخية التي تتأثر بمرور الزمن أو العوامل البيئية أو التغير العمراني.

النموذج الرقمي لا يحل محل المبنى الحقيقي، لكنه يمنح الباحثين والمهتمين سجلًا يمكن الرجوع إليه بعد سنوات طويلة.

الرقمنة ليست بديلًا عن الأصل

ورغم أهمية التكنولوجيا، فإن تحويل التراث إلى ملفات رقمية لا يعني أن القطع الأصلية أو المخطوطات أو المباني التاريخية أصبحت أقل أهمية.

النسخة الرقمية لا تستطيع أن تحل محل الأثر الحقيقي.

لكنها تستطيع أن تؤدي وظائف مختلفة: التوثيق، والتعليم، والبحث، وإتاحة الوصول، والمساعدة في التعرف على المواد المفقودة، وحفظ المعلومات التي قد يصعب استعادتها لاحقًا.

كما أن الأرشفة الرقمية نفسها تحتاج إلى إدارة طويلة المدى.

فالأقراص وأجهزة التخزين قد تتعطل، والبرامج تتغير، وصيغ الملفات قد تصبح قديمة، والمواقع الإلكترونية تحتاج إلى صيانة مستمرة.

لهذا فإن بناء أرشيف رقمي حقيقي لا ينتهي بمجرد الضغط على زر “مسح ضوئي”.

من يملك الذاكرة؟

التقرير الجديد حول Sudan Memory أثار أيضًا سؤالًا مهمًا يتعلق بملكية المواد الثقافية وطريقة إتاحتها.

عندما تحصل مؤسسة على صورة من أسرة أو مخطوط من مجموعة خاصة، فإن العلاقة مع صاحب المادة يجب ألا تنتهي بمجرد رقمنتها.

الباحثون الذين أعدوا التقرير أوصوا ببناء الثقة مع أصحاب المجموعات منذ البداية، وتحديد حقوق الملكية والوصول بوضوح، إلى جانب تدريب الكوادر المحلية حتى لا تصبح المشروعات مرتبطة بتمويل مؤقت ثم تتوقف بعد انتهائه.

هذه النقطة مهمة للسودان بصورة خاصة، لأن كثيرًا من المواد التاريخية موزعة بين مؤسسات رسمية ومجموعات خاصة وأسر ومراكز بحثية وأرشيفات داخل البلاد وخارجها.

مشروع وطني كبير للذاكرة الرقمية يحتاج لذلك إلى مشاركة واسعة، وليس إلى جهة واحدة فقط.

فرصة ثقافية أمام السودان

السودان يمتلك مادة ثقافية هائلة، لكن جزءًا كبيرًا منها ما يزال غير مفهرس أو غير متاح رقميًا.

وإذا استطاعت التجارب الحالية أن تتحول إلى سياسة ثقافية أوسع، فمن الممكن أن تظهر خلال السنوات المقبلة مكتبة رقمية سودانية أكثر شمولًا تضم الصحافة القديمة والكتب والصور والتسجيلات والمخطوطات والأفلام والخرائط والمجموعات المتحفية.

مثل هذه المنصة لن تكون مخزنًا للماضي فقط.

يمكن أن تصبح مصدرًا للتعليم وصناعة الأفلام والنشر والبحث الأكاديمي والسياحة الثقافية والمحتوى الرقمي.

كما يمكن أن تمنح السودانيين في المهجر وسيلة مباشرة للعودة إلى تفاصيل بلد ربما يعرفها بعض أبنائهم من الحكايات أكثر مما يعرفونها من الصور والوثائق.

وفي النهاية، لا توجد ذاكرة وطنية داخل مبنى واحد أو متحف واحد.

ذاكرة السودان موزعة بين ملايين الصور والأصوات والأوراق والقطع والقصص.

والتحدي الثقافي الحقيقي اليوم ليس فقط أن نحافظ عليها، بل أن نعرف أين توجد، ومن يملكها، وكيف نوثقها، وكيف نجعلها متاحة للأجيال القادمة.

في عصر يمكن أن تختفي فيه ورقة قديمة في لحظة، قد يكون الملف الرقمي أحيانًا هو الخيط الأخير الذي يصل المستقبل بالماضي.