الثقافة السودانية في المهجر لم تعد تعيش داخل البيوت والجلسات العائلية وحدها. خلال 2026 ظهرت في مدن مختلفة فعاليات ومهرجانات وبرامج ثقافية تجمع الموسيقى والطعام والملابس والحكايات والكتب والحرف في مساحات عامة مفتوحة، وتقدم السودان لجمهور جديد بينما تمنح أبناء الجاليات فرصة للعودة إلى تفاصيل ثقافتهم بعيدًا عن الوطن.
المشهد كان واضحًا في دبي خلال مايو الماضي، عندما تحول مركز دبي للمعارض في إكسبو سيتي إلى مساحة سودانية كبيرة جمعت الآلاف حول الفنون والموسيقى والطعام والتراث.
وبحسب تقارير صحفية إماراتية، تجاوز عدد زوار مهرجان السودان 25 ألف شخص من السودانيين وجنسيات أخرى، في واحدة من أكبر الفعاليات السودانية التي أقيمت في الإمارات خلال العام.
بعد ذلك بأشهر، ظهر مشهد مشابه على بعد آلاف الكيلومترات.
في العاصمة الكندية أوتاوا، نظمت الجمعية السودانية الكندية مهرجانًا ثقافيًا على مدى يومي 5 و6 سبتمبر، ببرنامج جمع الموسيقى والطعام والملابس التقليدية والحرف والحكايات والأنشطة العائلية.
بين دبي وأوتاوا تختلف اللغة والمناخ والمسافة، لكن السؤال الثقافي واحد: ماذا يحدث للثقافة عندما ينتقل أصحابها إلى بلد جديد؟
البيت لم يعد المساحة الوحيدة للذاكرة
لسنوات طويلة انتقلت تفاصيل كثيرة من الثقافة السودانية داخل الأسرة بصورة طبيعية.
الطفل يسمع الأغنية في البيت، ويشاهد طريقة إعداد القهوة، ويتعرف على الثوب والجلباب والأطعمة والمناسبات من خلال الحياة اليومية، دون أن يحتاج إلى فعالية ثقافية تشرح له معناها.
لكن الوضع يختلف عندما يولد جيل جديد في دولة أخرى.
قد يعرف الطفل السودان من حديث والديه وصور الأقارب والزيارات القصيرة، بينما تصبح المدرسة واللغة اليومية والأصدقاء والفضاء الإعلامي مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه.
هنا تتحول الممارسة التي كانت عادية داخل السودان إلى شيء يحتاج إلى أن يقدم ويشرح وينقل بصورة أكثر وضوحًا.
المهرجان الثقافي يؤدي جزءًا من هذه المهمة.
فالطفل لا يسمع فقط أن للسودان رقصات وموسيقى وأزياء مختلفة، بل يراها أمامه، ويشاهد أشخاصًا آخرين من عمره يتفاعلون معها، ويربط الثقافة بذكرى اجتماعية ممتعة بدل أن تبقى مجرد حديث عن بلد بعيد.
25 ألف شخص حول السودان في دبي
مهرجان السودان الذي أقيم في دبي في 23 مايو قدم مثالًا واضحًا على حجم الجمهور الذي يمكن أن تجمعه الثقافة السودانية خارج البلاد.
تقارير خليجية قدرت الحضور بأكثر من 25 ألف زائر، بينما ضم البرنامج عروضًا فنية وتراثية وطعامًا سودانيًا وحرفًا وأنشطة اجتماعية.
ولم يقتصر الجمهور على السودانيين.
وجود زوار من جنسيات أخرى يجعل مثل هذه المناسبات نافذة لتعريف المجتمع المحيط بالسودان بعيدًا عن الصورة التي تصنعها الأخبار اليومية.
فالزائر يستطيع في يوم واحد أن يسمع موسيقى سودانية، ويشاهد أزياء من مناطق مختلفة، ويتعرف على أطعمة وعادات وربما كلمات لم يسمعها من قبل.
هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تفعل شيئًا لا تستطيع التقارير السياسية أو الاقتصادية القيام به بسهولة: تقديم البلد من خلال الناس أنفسهم.
أوتاوا.. مهرجان لجيل يعيش بين ثقافتين
في سبتمبر انتقلت الصورة إلى كندا.
الجمعية السودانية الكندية في أوتاوا نظمت أول مهرجان ثقافي سوداني لها في منطقة العاصمة، عبر برنامج امتد يومين.
اليوم الأول أقيم تحت عنوان “Sudan in the Park” وشمل أنشطة مجتمعية وموسيقى وطعامًا وبرامج عائلية، بينما خُصص اليوم الثاني لتقديم السودان عبر العروض الثقافية والملابس التقليدية والفنون والحرف والحكايات والموسيقى.
الهدف المعلن من الجمعية لم يكن الاحتفال فقط.
المنظمون وضعوا مسألة الحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة من السودانيين الكنديين ضمن صميم الفكرة، إلى جانب تعريف المجتمع الكندي بتنوع السودان وثقافاته.
وهذه النقطة تعطي المهرجان قيمة تتجاوز يومي الفعالية.
فالأطفال الذين يعيشون داخل بيئة ثقافية مختلفة يحتاجون إلى مساحات يلتقون فيها بأطفال سودانيين آخرين ويكتشفون أن الثقافة التي يتحدث عنها أهلهم ليست تجربة عائلية منفردة، وإنما جزء من مجتمع أكبر.
الدوحة تنتقل من المناسبة إلى البرنامج السنوي
في قطر تظهر تجربة مختلفة قليلًا.
المركز الثقافي السوداني في الدوحة وضع برنامجًا لعام 2026 لا يعتمد على مناسبة واحدة، بل يقسم النشاط الثقافي على أشهر السنة.
يتضمن البرنامج شهرًا للتراث السوداني، وآخر للأدب والشعر، وشهرًا للشباب والإبداع، ثم الموسيقى والفنون والحوار الثقافي.
وتظهر ضمن الأنشطة المقترحة أمسيات للحكاية الشعبية، ومعارض للملابس التقليدية والصور، وناديًا للكتاب السوداني، وورشًا للإيقاعات والخط والزخرفة، وبرامج للأطفال وعروضًا لأفلام وثائقية عن تاريخ السودان.
هذا النوع من البرامج يطرح نموذجًا مهمًا.
بدل أن تظهر الثقافة في يوم احتفالي واحد ثم تختفي حتى العام التالي، تصبح هناك دورة مستمرة تسمح للجمهور بالقراءة والمناقشة والتعلم والمشاركة.
وهذا ربما يكون أحد الاتجاهات التي تحتاجها الثقافة السودانية في المهجر خلال السنوات المقبلة.
الطعام نفسه يتحول إلى حكاية
من المثير في الفعاليات الثقافية أن الأشياء اليومية تكتسب قيمة مختلفة عندما تخرج من بيئتها الأصلية.
طبق سوداني عادي داخل الخرطوم أو مدني أو بورتسودان قد يتحول في كندا إلى وسيلة لتقديم البلد للآخرين.
القهوة ليست مجرد مشروب عندما تقدم داخل فعالية ثقافية، والثوب ليس مجرد لباس، والأغنية ليست مجرد فقرة ترفيهية.
كل عنصر يحمل وراءه قصة.
وهنا تأتي أهمية عدم تقديم الثقافة باعتبارها مجموعة من الأشياء الجميلة فقط.
الأقوى أن يعرف الزائر من أين جاءت هذه العادة، وفي أي مناطق تنتشر، وكيف تختلف من مجتمع سوداني إلى آخر، وما الذي تمثله لأصحابها.
فالسودان لا يمتلك قالبًا ثقافيًا واحدًا.
التنوع بين الشمال والشرق والوسط والغرب وكردفان ودارفور والنيل الأزرق والمجتمعات النوبية وغيرها هو جزء أساسي من الصورة التي ينبغي أن تظهر خارج البلاد.
الموسيقى تختصر المسافة
ربما تكون الموسيقى أسرع عناصر الثقافة في عبور الحدود.
المستمع لا يحتاج إلى معرفة تاريخ الأغنية بالكامل حتى يتفاعل مع الإيقاع أو اللحن.
ولهذا تحتل العروض الموسيقية مساحة كبيرة في أغلب المهرجانات السودانية خارج البلاد.
لكن الموسيقى تؤدي أيضًا وظيفة أخرى لدى الجاليات.
أغنية قديمة يسمعها شخص عاش سنوات في السودان يمكن أن تعيد إليه لحظة أو مكانًا أو شخصًا في ثوانٍ.
أما الطفل الذي يسمع الأغنية للمرة الأولى في كندا أو الإمارات، فقد تكون تجربته مختلفة تمامًا: الأغنية بالنسبة إليه بداية اكتشاف وليست استعادة ذكرى.
هنا تلتقي داخل المكان نفسه ذاكرتان؛ جيل يتذكر السودان، وجيل يتعلمه.
الثقافة تستطيع تصحيح الصورة
خلال السنوات الأخيرة ارتبط اسم السودان في كثير من وسائل الإعلام الدولية بالأخبار السياسية والأوضاع الإنسانية والاقتصادية.
هذه ملفات حقيقية ولا يمكن تجاهلها، لكنها ليست البلد كله.
وجود فعاليات سودانية مفتوحة أمام المجتمعات الأخرى يضيف صورة لا تصل عادةً عبر نشرات الأخبار.
السودان هنا يظهر من خلال الموسيقى والأدب والطعام والفنون والحرف والملابس والحكاية.
وهذا النوع من الحضور لا يحتاج إلى خطاب دعائي.
عندما يدخل الزائر إلى فعالية ويستمع إلى أغنية أو يتحدث مع حرفي أو يشاهد اختلاف الملابس بين مناطق السودان، فإنه يبني معرفته بنفسه.
الثقافة في هذه الحالة تتحول إلى شكل هادئ من التعريف بالبلد.
من الاحتفال إلى صناعة ثقافية
التحدي الأكبر هو ألا تتوقف هذه الحركة عند المهرجانات.
إذا كانت الجاليات السودانية قادرة على جمع آلاف الأشخاص حول الثقافة، فهناك فرصة لبناء نشاط أكثر استدامة حولها.
يمكن أن تنشأ نوادٍ للقراءة، ومدارس موسيقية صغيرة، وورش للأطفال، وأسواق للحرف والمنتجات الثقافية، ومنصات رقمية للكتاب والفنانين، وعروض سينمائية منتظمة.
كما يمكن للفنان أو الحرفي السوداني الموجود في المهجر أن يصل عبر هذه الفعاليات إلى جمهور وأسواق لم تكن متاحة له من قبل.
بهذا تصبح الثقافة مصدرًا للهوية وفي الوقت نفسه مساحة للعمل والإبداع والاقتصاد الثقافي.
الجيل الثاني هو الاختبار الحقيقي
سهولة تنظيم مهرجان كبير لا تعني بالضرورة أن الثقافة ستنتقل تلقائيًا إلى الأجيال القادمة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الموسيقى وإغلاق المعرض.
هل يعرف الطفل اسم الرقصة التي شاهدها؟
هل يستطيع أن يسأل أسرته عن المنطقة التي جاءت منها؟
هل يجد كتابًا سودانيًا مناسبًا لعمره؟
هل توجد مساحة يمكن أن يتعلم فيها آلة موسيقية أو كلمة من لغة محلية أو حكاية شعبية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الفعالية نجحت في إنشاء امتداد لها خارج يوم الاحتفال.
أما إذا بقيت التجربة مجرد صور وفيديوهات، فإن أثرها سيكون أقصر.
وطن يمكن حمله
ما تكشفه فعاليات 2026 من دبي إلى أوتاوا والدوحة هو أن الثقافة السودانية بدأت تتحرك بصورة أكثر تنظيمًا مع الجاليات المنتشرة خارج البلاد.
ولا يعني ذلك أن المهجر يمكن أن يحل محل البيئة الأصلية التي ولدت فيها هذه الثقافة.
لكنه يستطيع أن يمنحها مساحة أخرى للحياة.
فالوطن لا ينتقل كاملًا داخل حقيبة السفر، لكن الناس يحملون معهم أشياء صغيرة منه: نغمة، رائحة قهوة، كلمة، وصفة، كتابًا، قطعة قماش أو حكاية سمِعوها من جدتهم.
وعندما تجتمع هذه الأشياء أمام آلاف الأشخاص في مدينة بعيدة، يحدث شيء أكبر من مهرجان.
يتحول السودان من ذكرى شخصية إلى ذاكرة مشتركة قابلة للانتقال إلى جيل آخر.
المصادر:
- Gulf News، تغطية مهرجان السودان في دبي، مايو 2026.
- Aletihad / وكالة أنباء الإمارات، مهرجان السودان في دبي، مايو 2026.
- Sudanese Canadian Association of Ottawa، برنامج المهرجان الثقافي السوداني، سبتمبر 2026.
- المركز الثقافي السوداني في الدوحة، البرنامج الثقافي السنوي 2026.