طريق جديد للبيانات.. السودان يدخل شبكة ألياف إقليمية ضخمة

بواسطة فريق تحرير الجديان نت 6 دقيقة قراءة

مشروع هورايزن للألياف الضوئية يقترب خلال 2026 من تحويل موقع السودان على البحر الأحمر إلى جزء من ممر رقمي إقليمي جديد، يربط محطات الكابلات البحرية في جيبوتي بالسودان مرورًا بإثيوبيا. وبعد أشهر من توقيع الاتفاق الثلاثي بين سوداتل وEthio telecom وجيبوتي تيليكوم، دخل المشروع في سبتمبر مرحلة ما قبل التسويق التجاري، وسط اهتمام شركات تقنية واتصالات دولية بالبنية الجديدة وسعاتها المرتفعة.

القصة هنا أكبر من مد كابل إنترنت جديد.

فالمشروع يستهدف إنشاء طريق إضافي لحركة البيانات الدولية عبر شرق أفريقيا، بسعات تصل إلى مستويات متعددة التيرابت، مع تصميم يعتمد على مسارات احتياطية تقلل خطر توقف الاتصال إذا تعرض أحد المسارات لعطل.

وبالنسبة للسودان، يمكن أن يمنحه نجاح المشروع دورًا أكبر في خريطة نقل البيانات الإقليمية، بدل أن يكون مجرد مستهلك للاتصال القادم من الخارج.

من جيبوتي إلى السودان عبر إثيوبيا

بدأت الخطوة الرسمية الرئيسية في 4 فبراير 2026، عندما وقعت مجموعة سوداتل للاتصالات وEthio telecom وجيبوتي تيليكوم اتفاقًا استراتيجيًا ثلاثيًا لإطلاق مبادرة Horizon Fiber.

بحسب البيانات الرسمية للشركات الثلاث، يقوم المشروع على إنشاء ممر بري للألياف الضوئية يربط محطات إنزال الكابلات البحرية الدولية في جيبوتي، ويمر عبر إثيوبيا، ثم يصل إلى محطات الربط في السودان.

هذا التصميم يمنح حركة البيانات مسارًا جديدًا بين شبكات البحر الأحمر والبنية البرية لشرق أفريقيا.

وفي سبتمبر، انتقلت المبادرة خطوة إلى الأمام خلال اجتماع لأصحاب المصلحة في أديس أبابا، ناقش المتطلبات الفنية والتجارية اللازمة قبل الانتقال إلى التشغيل التجاري.

وشاركت في المناقشات أسماء كبيرة من قطاع التقنية والاتصالات، بينها Google وMicrosoft وAmazon Web Services، إلى جانب شركات ومشغلي شبكات وموردي تقنيات اتصالات دوليين.

وجود هذه الشركات لا يعني أنها أصبحت مستثمرًا أو عميلًا نهائيًا للمشروع، لكنه يكشف مستوى الاهتمام التجاري المتوقع بمسار يستطيع حمل كميات كبيرة من البيانات بين أسواق المنطقة والشبكات الدولية.

لماذا تحتاج الإنترنت إلى أكثر من طريق؟

المستخدم العادي يرى الإنترنت من خلال الهاتف أو جهاز الحاسوب، لكن خلف الشاشة توجد بنية هائلة من الألياف الضوئية والكابلات البحرية ومراكز البيانات ومحطات الإنزال.

وعندما ينتقل مقطع فيديو أو ملف أو معاملة مصرفية من بلد إلى آخر، تمر البيانات عبر سلسلة من هذه الشبكات.

المشكلة تبدأ عندما تعتمد منطقة واسعة على عدد محدود من المسارات.

أي عطل كبير في كابل بحري أو نقطة عبور يمكن أن يؤدي إلى بطء أو اضطراب في الخدمة إذا لم توجد طرق بديلة كافية لتحويل حركة البيانات إليها.

لهذا أصبحت كلمة “المرونة” واحدة من أهم الكلمات في تصميم شبكات الاتصالات الحديثة.

مشروع هورايزن لا يقدم نفسه باعتباره مجرد زيادة للسعة، وإنما أيضًا باعتباره مسارًا إضافيًا يمكن استخدامه لتنويع طرق نقل البيانات.

ووفق تفاصيل المشروع المنشورة، يجري تصميم الشبكة بهيكل محمي ومسارات رئيسية واحتياطية، بهدف تقليل الاعتماد على طريق منفرد.

بورتسودان قد تصبح أكثر من مدينة ساحلية

أهمية المشروع للسودان ترتبط بصورة مباشرة بموقعه على البحر الأحمر.

وجود محطات كابلات بحرية على الساحل يمنح البلاد نقطة اتصال مع شبكات عالمية، لكن القيمة الاقتصادية والتقنية لهذه المحطات ترتفع عندما ترتبط بشبكة برية قوية تستطيع تمرير البيانات إلى أسواق أخرى.

هنا يأتي دور الممر الجديد.

إذا أصبح المسار بين السودان وإثيوبيا وجيبوتي فعالًا تجاريًا، يمكن أن تتحول البنية الموجودة في السودان إلى جزء من طريق إقليمي لنقل حركة بيانات لا تخص المستخدم السوداني وحده.

وهذا النوع من البنية هو ما يجعل بعض المدن الساحلية تتحول إلى عقد للاتصال الدولي.

فالقيمة لم تعد في وجود كابل بحري فقط، وإنما في عدد الشبكات التي يستطيع الاتصال بها، والسعات التي يمكن تمريرها، ومدى قدرة المشغلين على توفير مسارات بديلة عند حدوث الأعطال.

ماذا تعني “سعات متعددة التيرابت”؟

وصفت الشركات المشاركة هورايزن بأنه مشروع متعدد التيرابت.

والتيرابت في الثانية وحدة تستخدم لقياس سعات نقل ضخمة للبيانات، أكبر بكثير من السرعات التي يتعامل معها مستخدم المنزل مباشرة.

لكن من المهم عدم الخلط بين سعة الشبكة الرئيسية وسرعة الإنترنت التي ستصل تلقائيًا إلى هاتف المواطن.

يمكن تخيل شبكة الألياف الدولية على أنها طريق سريع ضخم للبيانات.

كلما كانت سعة الطريق أكبر، أصبح قادرًا على حمل حركة أكثر من مشغلي الاتصالات ومراكز البيانات والخدمات الرقمية.

لكن سرعة المستخدم النهائية تظل مرتبطة أيضًا بشبكة شركة الاتصالات داخل السودان، وتغطية الجيل الرابع أو الألياف المحلية، وسعة الأبراج، وسياسات التشغيل والأسعار.

لذلك فإن نجاح هورايزن لا يعني أن كل مستخدم سوداني سيحصل فورًا على إنترنت أسرع.

ما يقدمه المشروع أولًا هو تعزيز العمود الفقري الذي تعتمد عليه الخدمات الرقمية في مراحل لاحقة.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي تحتاجان طرقًا أوسع

الاهتمام بهذا النوع من الشبكات يزداد عالميًا بسبب تغير طبيعة استخدام الإنترنت.

لم تعد البيانات تتكون أساسًا من رسائل وصفحات ويب خفيفة.

خدمات الفيديو عالية الجودة والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية ومراكز البيانات أصبحت تحتاج إلى سعات كبيرة وزمن استجابة منخفض واتصال يمكن الاعتماد عليه.

وأشارت الشركات المطورة لهورايزن إلى أن المشروع صُمم لدعم هذه الأنواع من الاستخدامات، إضافة إلى خدمات الاستضافة وربط الشركات ومشغلي الاتصالات.

بالنسبة للسودان، تكمن الفرصة في أن بناء بنية دولية قوية يمكن أن يجعل إنشاء خدمات رقمية محلية أكثر قابلية للتوسع مستقبلًا.

فالشركة التي تقدم منصة إلكترونية أو خدمة مالية أو تخزينًا سحابيًا تحتاج في النهاية إلى اتصال دولي قادر على نقل البيانات بثبات.

وكلما كانت البنية الأساسية أقوى، اتسعت الخيارات المتاحة فوقها.

ليست كل البيانات بحاجة إلى السفر بالطريقة نفسها

إحدى فوائد تعدد المسارات هي القدرة على اختيار طريق أكثر ملاءمة لحركة البيانات.

الزمن الذي تستغرقه المعلومة للوصول من نقطة إلى أخرى يعرف تقنيًا بزمن الاستجابة، وهو عامل مهم في الخدمات التي تحتاج إلى تفاعل سريع.

المكالمات عبر الإنترنت، والاجتماعات المرئية، والألعاب السحابية، وبعض التطبيقات المالية والخدمات المؤسسية تتأثر بوضوح عندما يكون زمن الاستجابة مرتفعًا.

ولهذا يركز مشروع هورايزن على تقديم مسار بري منخفض زمن الاستجابة إلى جانب قدرته العالية.

لكن النتيجة الفعلية ستعتمد على التصميم النهائي والتشغيل واتفاقيات الربط مع الشبكات الدولية بعد دخول المشروع الخدمة.

السودان أمام فرصة تجارية أيضًا

شبكات الألياف الدولية ليست مشروعات تقنية فقط.

هناك سوق كاملة لبيع السعات وتأجيرها للشركات والمشغلين، إلى جانب خدمات الاستضافة والربط ومراكز البيانات.

وإذا استطاع السودان جذب جزء من حركة البيانات الإقليمية، يمكن أن تظهر حول هذه البنية خدمات تجارية جديدة لا ترتبط مباشرة ببيع باقات الإنترنت للأفراد.

مشغلو شبكات دوليون، وشركات حوسبة سحابية، ومنصات محتوى، ومؤسسات مالية وشركات تقنية تحتاج جميعها إلى نقل البيانات بين مناطق مختلفة.

لكن تحقيق هذه الفائدة يتطلب أكثر من وجود الكابل.

يحتاج السوق إلى استقرار في التشغيل، وأسعار تنافسية، ومستوى مرتفع من أمن الشبكات، واتفاقيات ربط واضحة، وقدرة على الحفاظ على الخدمة على مدار الساعة.

المشروع لم يبدأ التشغيل التجاري بعد

وهذه واحدة من أهم النقاط التي يجب توضيحها.

حتى منتصف سبتمبر 2026، انتقل هورايزن إلى مرحلة متقدمة من التطوير وما قبل التسويق التجاري، لكنه لا يزال مشروعًا في طريقه إلى التشغيل الكامل.

Ethio telecom قالت في تقريرها السنوي إن تصميم الحل الشامل اكتمل، وإن عمليات الشراء وتسليم المواد للمواقع انتهت، وإن المشروع دخل مرحلة التنفيذ النشط.

أما اجتماع سبتمبر، فتركز على عرض الشبكة أمام مشغلين وشركات تقنية ومناقشة احتياجاتهم التجارية والفنية.

لذلك فإن الحديث الآن عن إمكانات المشروع، وليس عن نتائج تشغيلية تحققت بالفعل.

لن يصبح من الممكن قياس أثره الحقيقي على السودان إلا بعد بدء الخدمة التجارية وظهور معلومات عن السعات المستخدمة والعملاء وحركة البيانات.

عندما تصبح الجغرافيا أصلًا رقميًا

اعتاد السودان النظر إلى موقعه الجغرافي من زاوية التجارة والموانئ والطرق البرية.

لكن الاقتصاد الرقمي يضيف نوعًا آخر من الجغرافيا.

الدولة التي تقع بين كابلات بحرية وأسواق كبيرة ومسارات إقليمية يمكن أن تمتلك قيمة في حركة البيانات نفسها.

ومشروع هورايزن يحاول الاستفادة من هذه الفكرة؛ جيبوتي تمتلك حضورًا مهمًا في شبكات الكابلات البحرية، وإثيوبيا سوقًا كبيرة وموقعًا بريًا مركزيًا، بينما يمنح ساحل السودان على البحر الأحمر الممر منفذًا آخر إلى الشبكات الدولية.

إذا اكتمل المشروع كما هو مخطط له، فلن تكون الألياف الممتدة تحت الأرض مجرد كابل يصل ثلاث دول.

ستكون جزءًا من محاولة إعادة رسم الطريق الذي تسلكه البيانات في شرق أفريقيا.

وبالنسبة للسودان، فإن الفرصة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع تحويل موقعه من نقطة على خريطة الإنترنت إلى جزء فعلي من بنيتها الإقليمية.

المصادر:

  • مجموعة سوداتل للاتصالات، مبادرة Horizon Fiber، فبراير 2026.
  • Ethio telecom، الاتفاق الثلاثي لمبادرة Horizon Fiber، فبراير 2026.
  • Ethio telecom، التقرير السنوي للأداء 2025/2026.
  • تقارير مرحلة ما قبل التسويق التجاري للمشروع، سبتمبر 2026.